أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





الدعوه الاسلاميه وفقه الواقع

المبحث الأول: مكانة الواقع في القرآن الكريم المبحث الثاني : مكانة الواقع في المنهج النبوي المبحث الثالث: مكانة الواقع ..



12-11-2011 09:10 صباحا
عيسي عبد القادر
rating
الأوسمة:4
وسام العطاء
وسام العطاء
وسام القلم المميز
وسام القلم المميز
وسام المشرف المميز
وسام المشرف المميز
وسام الإشراف
وسام الإشراف
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 31-10-2011
رقم العضوية : 176
المشاركات : 2102
الجنس : ذكر
الدعوات : 4
قوة السمعة : 7859
الدولة : الجزائر
 offline 
المبحث الأول: مكانة الواقع في القرآن الكريم
المبحث الثاني : مكانة الواقع في المنهج النبوي
المبحث الثالث: مكانة الواقع في سنن الراشدين


رأينا
فيما
سبق
أهمية فقه الواقع ومدى الحاجة إليــه... وأنه لا يقل عن فقه الأحكام، وأنه من صميم فقه الكتاب والسنة، ورأينا كيف ينظر العلمانيون إلى الواقع، وهو عندهم مقدم على الشرع، في حين يرى طائفة من الإسلاميين أن الكلام عن فقه الواقع مبالغ فيه.

من هنا، كان لا بد من دراسة علاقة الدعوة بفقه الواقع دراسة تأصيلية، لنرى كيف كانت مصادرنا الأساسية تعتبر الواقع وكيف كانت تقومه وترشده، محصلة بذلك أعظم النتائج.

وهكذا، سنتكلم في هذا الفصل عن مكانة الواقع في القرآن الكريم، وفي السنة الشريفة، وفي هدي الصحابة رضوان الله عليهم.

وأود هنا التأكيد أننا لن نستقــرئ جميع ما بهــذه المصــــادر أو أغلب ما بها، وإنما نقتطف منها بعض النماذج والأمثلة فقط. وإلا فالدراسـة المستوفية والتقصي الشامل عمل جبار، نسأل الله عز وجل أن يتوفر لغيرنا الجهد والاجتهاد للقيام به.

المبحث الأول: مكانة الواقع في القرآن الكريم

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم لإخراج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن جور الأديان إلى عدل الإســـلام ورحمـته، ومن ضــيق الدنيــا إلى سعـــة الآخــرة، مـغيـرًا مــا بالإنسان وما بواقعه من شرور وفساد.

يقول الله عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } (يونس:57).

هذه أربعة مقاصد للقرآن الكريم: موعظة، شفاء لما في الصدور، هدى، ورحمة للمؤمنين، ترينا كيف اهتم القرآن بالإنسان الـذي هــو (المحور) في هذا الكون، والـــذي من أجله خلق وسخر.


ولعله من سوء الأدب مع الله عز وجل ومع كتابه الذي لا ينطق عن الهوى، أن نخص آية دون أخرى لنقول هذه تدل على مكانة الواقع في القرآن الكريم، أو هذه الآية يبدو فيها اعتبار الواقع جليًا... إلخ، ذلك أن القرآن بمقاصده
التي
أشرنا إليها، أنزله الله عز وجل لبني آدم، وهو الذي خلقهم وخلق واقعهم، وما أنزل فيه من تشريع أو حكم أو تعليم إلا ويناسب الإنسان: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } (الملك:14).
لذا فالأمثلة
التي
سنوردها هنا من القرآن هي على سبيل المثال لا الحصر، نكتشف منها عظمة المُنــزِل وجـلال التنزيل وحرمة المنزل له.
1- المكي والمدني:

وهو أول ما يسترعي انتباهنا عند قراءة كتاب الله عز وجل، وكلنا يعرف الفرق بين الوحي الذي كان ينزل بمكة وبين الذي كان ينزل بالمدينة، اختلافًا في الواقع الزماني والمكاني.

ونكتفي للتوضيح بهذا المثال:

لم يفرض القتال على المسلمين إلا بعد الهجرة. وعلى الرغم من إلحاح المسلمين وطلبهم الإذن بالقتال وهم في مكة، فإن القتال كان محظورًا.

فقــد روى عمــرو بن دينـــار عن عكرمة عن ابـن عبــاس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له كانـت أموالهم بمكة. فقــالوا: يا رسول الله كنا في عز ومنعة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال: (إني أمرت بالعفو فلا نقاتل القوم )(1).

2- لكل قوم هاد، ولكل رسول قضية:

اختار الله عز وجل رسلاً لتبليغ دعوته من أفضل القوم وأقواهم بمميزات تؤهلهم لمقام النبوة، يقول الله عز وجل: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير) (الحج:75).



وقد
سبق
ت الإشـارة إلى أن الله عــز وجــل لم يبعث نبيًا -
فيما
نعلم- من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو، ولأن أهل الأمصار والقرى أعقل وأحلم وأفضل وأعلم.
أ/ والله سبحانه وتعالى بعث الرسل لأقوامهم خاصة، قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه وتعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه، إنما أنت منذر ولـكل قوم هاد } (الرعد:7).

ويقول الله عز وجل: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } (هود:50)، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } (هود:84)، وقوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } (هود:61).

والمراد أخوهم في النسب والقبيلة، لا في الدين، لأن هودًا مثلاً كان رجلاً من قبيلة عاد.

ويقول الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } (إبراهيم:4).

ب/ والله سبحانه وتعالى لم يبعث رسولاً إلا لمعالجة قضية من قضايا الفساد والظلم، ويصلح وضعًا من الأوضاع المنحرفة.

فأرسل شعيبًا عليه السلام لإصلاح فساد سائد هو الفساد الاقتصادي، إضافة إلى الدعــوة إلى عبادة الله سبحانه وتعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين } (هود:84-85).

دعا شعيب عليه السلام قومه إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده، لكنه كرر عليهم مشكل الفساد الاقتصادي أربع مرات:

- {ولا تنقصوا المكيال والميزان }.

- {أوفوا المكيال والميزان بالقسط }.

- {ولا تبخسوا الناس أشياءهم }.

- {ولا تعثوا في الأرض مفسدن }.

ولم يكن الله عز وجل ليهلك قومًا بالكفر وحده، حتى ينضم إليه الفساد في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، كما أهلك الله قوم شعيب بنقص المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط(2).

هكذا يخبرنا القــرآن الكريم أن برنامج التغيير يكون بحسب ما في الواقع من فساد أو انحراف، حجمًا وكمًا وكيفًا، ويتأكد لنا هذا في قضية لوط عليه السلام، وهي قضية فساد أخلاقي اجتماعي. يقول الله سبحانه: {ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون، أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون } (النمل:54-55).

وموسى عليه السلام بعث لإصلاح فساد سياسي وآخر اقتصادي، إضافة إلى الشرك بالله عز وجل.

فالفساد السياسي ممثل في فرعون وملئه: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } (القصص:4).


والطغيان الاقتصادي ممثل في قارون، يقول الله عز وجل: {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ
فيما
آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } (القصص:76-77).
جـ- واختار الله العرب لحمل شريعة الإسلام خاتمة الرسالات إلى سائر المخاطبين بها، لأنهم يومئذ امتازوا من بين الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم، وتلك هي:

- جودة الأذهان.

- وقوة الحوافظ.

- وبساطة الحضارة والتشريع.

- والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم(3).

3- أنباء الأمم السابقة:

في القرآن الكريم جزء عظيم للقصص، تتنوع من قصص الأنبياء، وقصص الأمم السالفة، وحوادث مواكبة للدعوة الإسلامية، ولم يقصها علينا القرآن الكريم من أجل التسلي والاستئناس، ولكن من أجل التفكر وأخذ العبر، كما يقول تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } (الأعراف:176).

وللقصص أثر بالغ في النفوس، تعوض عن الكثير من الكلام، إذ هي واقع حي مماثل يستعرضه علينا القرآن وكأننا نشاهده.

يقول تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } (هود:120)، قال الدكتور وهبة الزحيلي عند تفسيره لهذ الآية: (في إيراد قصص الأنبياء وما كابدوه من مشاق من أجل دعوتهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت له على أداء الرسالة والصبر على ما يناله فيها من الأذى.. وفـيها بما تضمنته من بيان ما هو الحق واليقين عــظة وعبرة وذكـرى لكــل مــؤمــن. والموعــظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والذكرى تذكر المؤمنين ما نزل بمن هلك فيتوبون، وخص الله تعالى المؤمنين لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء )(4).

وينقل لنا القرآن الكريم واقع الأمم السابقة، حتى نعرف أسباب الهلاك فنتجنبها وأسباب النجاة فنتبعها، يقول الله سبحانه وتعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذن ظلموا والحمدلله رب العالمين } (الأنعام:42-45)، فمن رحمة الله تعالى بعباده تذكيره بأحوال الأمم السابقة للعبرة والعظة(5).


ويقول الله عز وجل: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم
التي
يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } (هود:100-103).
والقرآن الكريم عندما يقص علينا قصة، فإننا نجد أثناء القصة عبارات مـن مثل قــوله: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } (الأعراف:101)، {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي } (هود:102)، وقوله: {قل سيرو في الأ رض فانظروا كان عاقبة المجرمين } (النمل:69)، وذلك تذكير للناس إن هم اتبعوا طريق تلك القرى والأمم، وكانوا في واقع مثل واقعهم، فإنهم سيلقون حتمًا نفس المصير.

فمن القصص القرآني نكتشف سنن السير في هذا الكون ومنهاج التعامل مع نعم الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } (آل عمران:137).

فمشيئة الله تسير على نظم ثابتة وسنن حكيمة ترتبط فيها الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، وإن كان الله قادرًا على كل شيء.. وتلك السنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين حظي بالسعادة والنصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المكذبين كانت عاقبته خسرًا ودمارًا وهلاكًا...

ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبر التاريخ وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السنة الإلهية الثابتة، وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء(6)، يقول الله سبحانه وتعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون َ} (الأعراف:94-95).

الحلم والإمهال من خصائص صنع الله وسنته الدائمة في خلقه، لكي يتعظوا بالأحداث، ويصححوا مسيرتهم في الحياة، ويقلعوا عما هم عليه من معاص وموبقات.. والابتلاء يكون بالشر وبالخير، كما قال الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } (الأنبياء:35).. والعاقل المفكر المتدبر أحوال الماضي وتقلبات المستقبل هو الذي يستفيد من دروس الحياة، قال الله سبحانه وتعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } (الأعراف:168)(7).

4- تقرير أحوال صالحة:

يقول ابن عاشور: (إن للتشريع مقامين):

- المقام الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فاسدها، هذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } (البقرة:257)، وقوله تعالى: {ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } (المائدة:16).

- المقام الثاني: تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس، وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله سبحانه وتعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (الأعراف:157))(8).

فما كان صـالحًا من الأحـوال لم يلغـه القرآن، بل أبــقى عليه ما دام لا يعارض مبادئ الإسلام ومصلحة المسلمين، كالطواف والسعي. أما ما كان مناقضًا لذلك فالإسلام ألغاه أو عدله حتى يصبح وفق الإسلام، كتعدد الزوجات وعقوبة القاتل.

وكثير من الأحكام أحال القرآن الحكم والتقدير فيها للعرف والمعــروف بين النــاس، وذلك لحساسيتـها وخطــورتها... والعــرف ما تألــفه الطباع السليمة ويستحسنه العقلاء، يقــول الدكتور وهبة الزحيلي: (ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهــمة، مثـل قـوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آل عمران:104)، وفي تبيان الحقوق الزوجية: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } (البقرة:228)، وفي الحفاظ على رباط الزوجية، قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } (البقرة:229)(9).

وقد شرع الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم الأمر بالعرف في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } (الأعراف:199).. ومن هنا اعتبر العرف سبيلاً لمعرفة الحكم، وعده بعض الأصوليين مصدرًا تبعيًا من مصادر التشريع الإسلامي.

وكما بدأنــا مع ابن عــاشور نخــتم معــه، إذ يقــول: (وأكثـر ما يحتاج إليه في مقام التقرير هو الحكم بالإباحة، لإبطال غلو المتغالين بحملهم على مستوى السواد الأعظم من البشر الصالح، كما قال تعالى: {ويحل لهم الطيبا ت ويحرم عليهم الخبائث } (الأعراف:157)، فإن الطيبات تناولتها الناس، وشذ فيها بعض الأمم وبعض القبائل، فحرموا على أنفسهم طيبات كثيرة)(10).

5- الوفاء بحاجات الناس:

نشير بدءًا إلى أن أحكام القرآن إنما نزلت بأسبابها، ولم تنزل ابتداءً، إلا القليل جدًا. وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم كان ينزل بحسب حاجات الناس ومتطلباتهم، أي بحسب واقعهم، لذا نجد كثيرًا من الآيات تبدأ بعبارات مثل {يسألونك} أو {يستفتونك}... وهي إجابات عن أسئلة كان يطرحها الناس، وكانت تشغلهم، فينزل القرآن مجيبًا ومقومًا ومصلحًا وموجهًا.

من ذلك قوله عز وجل: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } (البقرة:219).

وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفرًا من الأنصار أتو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله عز وجل هذه الآية(11).

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } (النساء:127)(12). فقد أخرج البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة وهو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العَذْق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها آخر فَيَشْركُه في ماله بما شركته، فيعضُلُها -يمنعها عن الزواج- فنزلت الآية.

والأمثلة في كتاب الله كثيرة، منها قوله عز وجل: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون } (البقرة:219)، وقول الله: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } (البقرة:222)، وقوله سبحــانه وتعــالــى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } (النساء:176)، وغير ذلك من الآيات.


والقرآن عندما يعطينا حكمًا ما فإنه يترك مجالاً للحالات الاستثنائية
التي
تعرض للإنسان.
فالإنسان في حالة الاضطرار يباح له أكل الميتة وتناول المحرم، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيــــم } (البقرة:172-173).

والمضطر في رأي الجمور هو من ألجأه الجوع إلى الأكل، وأضيف إليه عند بعضهم من أكره على أكل الحرام، كالرجل يأخذه العدو، فيكرهونه على أكل لحم الخنزير، وغيره من معصية الله تعالى(13).


وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا(14)، وهذا مراعاة للنفس البشرية وأحوالها، و
التي
سير عليها، ورفع الحرج عنها، مصداقًا لقول الله تعـــالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } (المائدة:6)، قول الله عز وجل: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } (النساء:28)، وقوله : {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعهًا } (البقرة:286).
ومراعاة النفس البشرية تتضح بجلاء في تحريم الخمر والربا، (فإذا تأملنا منهج القرآن بالروح المجردة، بدا لنا أن التدرج منهج تشريعي تربوي أصيل للقرآن، اتبع في معالجة الأمراض الاقتصادية والاجتماعية الكبرى)(15)، وذلك لأن النفس الإنسانية بطبيعتها، لا تستطيع التخلي دفعة واحدة عن شيء ألفته وتعودته وسارت عليه زمانًا، فكان هذا المنهج الرباني الحكيم.

ففي مكة أنزل الله عز وجل بشأن الربا: {وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا } (الروم:39)، وذكر بعد ذلك عقـــابه لليهود بسبب أكلهم الربا وقد نهــوا عــنه: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } (النساء:161)، ونهى الله تعالى عن الربا الفاحش الذي يتـــزايــد حــتى يصير أضعـافــًا مضاعفة بقول المولى عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون َ} (آل عمران:130)، ثم جاء التحريم النهائي والحاسم بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } (البقرة:278).

وفي تحريم الخمر، قال عمر رضي الله عنه: (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا)، فنزلت الآية {ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } (البقرة:219). فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } (النساء:43); وكان منادي النبي صلى الله عليه وسلم ينادي إذا حضرت الصلاة: (لا يقربن الصلاة سكران)، فدعي عمر فقـرئــت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } (المـــائـــدة:90-91)، فــقــال عمر: انتهينا... انتهينا (16).


وفي القرآن الكريم نماذج كثيرة من هذه الأنواع
التي
تظهر فيها مراعاة النفس الإنسانية وأحوالها العارضة والطارئة والاستثنائية، رفعًا للحرج، ونزولاً عند الضرورة، وكل ذلك يدور مع ما قصد إليه الشرع من مقاصده العليا.
6- ضرب الأمثال:

أخرج البيــهقي عن أبي هريـــرة رضي الله عنــه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال )(17).

وضرب الأمثال في القرآن غرضه تقريب السامع من الحقيقة وإيقاظ ضميره، وتصوير المراد بصورة محسوسة فتتقبلها الأذهان دون عناء. يقول الدكتور الزحيلي: (إن للأمثال تأثيرًا قويًا في إقناع السامعين، وأنها أقوى أثرًا من إيراد الحجج والبراهين)(18).

والأمثال في القرآن على ثلاثة أقسام:

- أمثال مصرح بها: وهي مصرح بها بلفظ المثل، أو ما يدل على التشبيه، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون } (البقرة:17).


- أمثال كامنة: وهي
التي
لم يصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز(19)، من ذلك قوله تعالى: {من يعمل سوءًا يجز به } (النساء:123).
- أمثال مرسلة: وهي جمل أرسلت إرسالاً من غير تصريح بلفظ التشبيه، فهي آيات جــارية مجرى الأمثــال، من ذلك قوله عز وجل: { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (المائدة:100).

وقد جاءت الأمثال في القرآن الكريم تصور المدح والذم، والاحتجاج والاستدلال، والافتخار والاعتذار، والوعظ وغير ذلك(20). ونورد من الوعظ هذين المثلين، ففيهما من الحكم البالغة ما لا يصفه كلام.


- يقول الله عز وجل: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } (البقرة:261)، قال الكلبي: (نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك
فيما
أمسكت و
فيما
أعطيت ). وأما عثمان رضي الله عنه، فقال: عليَّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدق برومية ركية كانت له على المسلمين، فنزلت فيهما هذه الآية )(21).
انظر أخي هذا التصوير العجيب، من خلال هذا المثل، كيف يحبب إلينا الإنفاق في سبيل الله!

ويقول المولى سبحانه وتعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } (البقرة:266)، قال البخاري: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم} ؟ فقالوا: الله أعــلم، فغــضب عمر، وقال: قــولـوا نعـلم أو لا نعـلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، فقال: ضربت مثلاً بعمل، قال عمر: أي عمل ؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله )(22).

قال الحسن البصري: هذا مثل قلّ والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ماكان إلى جنته، فجاءها الإعصار فأحرقها. وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا )(23). تصوير عجيب لواقع سيئ يحذرنا الله عز وجل منه.


إذن، الأمثال كما رأينا دائمًا ما تكون نابعة من واقع الإنسان، حتى يستطيع استيعابها واستيعاب العبر
التي
تحملها وتتضمنها، لأنه قد يصعب على الإنسان أن يدرك المغزى والمقصد من حكم ما أو توجيه ما أو غير ذلك. لذا، فالقرآن الكريم يقربها إلى الأذهان والمدارك بتصوير واقعي عبر الأمثال.
وقد عد الإمام الشافعي علم الأمثال مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن(24).
توقيع :عيسي عبد القادر
gazali

12-11-2011 10:00 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
نذير 1255
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 18-10-2011
رقم العضوية : 166
المشاركات : 253
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 227
 offline 
look/images/icons/i1.gif الدعوه الاسلاميه وفقه الواقع
شكرا لك

تحياتي

20-01-2012 12:50 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
الرائد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 242
المشاركات : 483
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 140
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif الدعوه الاسلاميه وفقه الواقع
شكرا لك وبارك الله فيك ... تحياتي




الكلمات الدلالية
الدعوه ، الاسلاميه ، وفقه ، الواقع ،


 







الساعة الآن 04:16 مساء