أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بسدات، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





بحث في كيفية إنزال القرآن الكريم

[IMG]https://www.benaceur-php.com/_fpclass/images_f/2/9.gif[/IMG] المسألة الأولى : قال - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل ف ..



30-05-2011 10:37 مساء
عبد المجيد
rating
الأوسمة:4
وسام درع التميز
وسام درع التميز
وسام الرقابة
وسام الرقابة
وسام الإشراف
وسام الإشراف
وسام عضو مميز
وسام عضو مميز
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 13-04-2011
رقم العضوية : 2
المشاركات : 451
الدولة : الجزائر
الجنس : ذكر
الدعوات : 1
قوة السمعة : 841
 offline 
9
المسألة الأولى : قال - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [ البقرة : 185 ] . وقال : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ القدر : 1 ] . اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال : أحدها : وهو الأصح الأشهر : أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة ، أو ثلاثة وعشرين ، أو خمسة وعشرين ، على حسب الخلاف في مدة إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد البعثة . أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضه في إثر بعض . وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ، ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [ الفرقان : 33 ] . وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا [ الإسراء : 106 ] . [ ص: 157 ] وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه ، وفي آخره : فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا . وأخرج الحاكم وابن أبي شيبة من طريق حسان بن حريث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : فصل القرآن من الذكر ، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزل به على النبي - صلى الله عليه وسلم - . أسانيدها كلها صحيحة . وأخرج الطبراني والبزار من وجه آخر عنه قال : أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، ونزله جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بجواب كلام العباد وأعمالهم . وأخرج ابن أبي شيبة في فضائل القرآن ، من وجه آخر عنه : دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة ، فوضعه في بيت العزة ، ثم جعل ينزله تنزيلا . وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي ، عن محمد ، عن ابن أبي المجالد ، عن مقسم ، عن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشك قوله - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [ البقرة : 185 ] وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وذي الحجة وفي المحرم [ ص: 158 ] وصفر وشهر ربيع ؟ فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام . قال أبو شامة : قوله ( رسلا ) : أي : رفقا ، ( وعلى مواقع النجوم ) أي : على مثل [ مواقع النجوم ، ومواقعها ] : مساقطها ، يريد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على ما وقع مفرقا يتلو بعضه بعضا ، على تؤدة ورفق . القول الثاني : أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر ، أوثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين ، في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ، ثم أنزل بعد ذلك منجما في جميع السنة . وهذا القول ذكره الإمام فخر الدين الرازي بحثا ، فقال : يحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها ، من اللوح إلى السماء الدنيا . ثم توقف ، هل هذا أولى أو الأول ! . قال ابن كثير : وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي ، عن مقاتل بن حيان وحكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا . قلت : وممن قال بقول مقاتل : الحليمي والماوردي ، ويوافقه قول ابن شهاب : آخر القرآن عهدا بالعرش آية الدين . القول الثالث : أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات . وبه قال الشعبي . قال ابن حجر في شرح البخاري : والأول هو الصحيح المعتمد ، قال : وقد حكى الماوردي قولا رابعا : أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة ، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة ، وأن جبريل نجمه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في عشرين سنة . وهذا أيضا غريب . [ ص: 159 ] والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به في طول السنة . وقال أبو شامة : كأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين : الأول والثاني . قلت : هذا الذي حكاه الماوردي أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآن جملة واحدة من عند الله ، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرين سنة . تنبيهات : الأول : قيل السر في إنزاله جملة إلى السماء : تفخيم أمره وأمر من نزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع : أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ، قد قربناه إليهم لننزله عليهم ، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة ، كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن الله باين بينه وبينها ، فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ، ثم إنزاله مفرقا ; تشريفا للمنزل عليه . ذكر ذلك أبو شامة في " المرشد الوجيز " . وقال الحكيم الترمذي : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ ببعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت رحمة ، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن ، فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا ، ووضعت النبوة في قلب محمد ، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحي ، كأنه أراد - تعالى - أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله إلى الأمة . وقال السخاوي في " جمال القراء " : في نزوله إلى السماء جملة ، تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة ، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم ; ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام ، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السفرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له . قال : وفيه - أيضا - التسوية بين نبينا - صلى الله عليه وسلم - وبين موسى - عليه السلام - في إنزاله كتابه جملة ، والتفضيل لمحمد في إنزاله عليه منجما ليحفظه . [ ص: 160 ] قال أبو شامة : فإن قلت : فقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر من جملة القرآن الذي نزل جملة أم لا ؟ فإن لم يكن منه ، فما نزل جملة وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟ . قلت : له وجهان : أحدهما : أن يكون معنى الكلام إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر ، وقضيناه وقدرناه في الأزل . والثاني : أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، أي : ينزله جملة في ليلة القدر . انتهى . وفي رواية وصحف إبراهيم لأول ليلة قال : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [ البقرة : 185 ] . ولقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر فيحتمل أن يكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة ، فأنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول اقرأ باسم ربك . قلت : لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث في شهر ربيع . ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه نبي أولا بالرؤيا في شهر مولده ، ثم كانت مدتها ستة أشهر ، ثم أوحي إليه في اليقظة . ذكره البيهقي وغيره . نعم يشكل على الحديث السابق : ما أخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن ، عن أبي قلابة قال : أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان .
 الثاني : قال أبو شامة أيضا : الظاهر أن نزوله جملة إلى السماء الدنيا قبل ظهور نبوته - صلى الله عليه وسلم - . قال : ويحتمل أن يكون بعدها . قلت : الظاهر هو الثاني ، وسياق الآثار السابقة ، عن ابن عباس صريح فيه . وقال ابن حجر في شرح البخاري : قد خرج أحمد والبيهقي في الشعب ، عن واثلة بن الأسقع : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشر خلت منه ، والزبور لثمان عشرة خلت منه ، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه
[ ص: 161 ] الثالث : قال أبو شامة - أيضا - : فإن قيل : ما السر في نزوله منجما ؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة ؟ . قلنا : هذا سؤال قد تولى الله جوابه ، فقال - تعالى - : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم - تعالى - بقوله : كذلك أي : أنزلناه كذلك مفرقا لنثبت به فؤادك [ الفرقان : 32 ] أي : لنقوي به قلبك ; فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى بالقلب ، وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ; ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل . وقيل : معنى لنثبت به فؤادك أي : لحفظه ، فإنه - عليه السلام - كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرق عليه ليثبت عنده حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنه كان كاتبا قارئا ، فيمكنه حفظ الجميع . وقال ابن فورك : قيل : أنزلت التوراة جملة ; لأنها نزلت على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى . وأنزل الله القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي . وقال غيره : إنما لم ينزل جملة واحدة ; لأن منه الناسخ والمنسوخ ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا ، ومنه ما هو جواب لسؤال ومنه ما هو إنكار على قول قيل أو فعل فعل ، وقد تقدم ذلك في قول ابن عباس : ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم ، وفسر به قوله : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق [ الفرقان : 33 ] أخرجه عنه ابن أبي حاتم . فالحاصل أن الآية تضمنت حكمتين لإنزاله مفرقا . تذنيب : ما تقدم في كلام هؤلاء من أن سائر الكتب أنزلت جملة - هو مشهور في كلام [ ص: 162 ] العلماء وعلى ألسنتهم ، حتى كاد أن يكون إجماعا ، وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك ، وقال : إنه لا دليل عليه ، بل الصواب : أنها نزلت مفرقة كالقرآن . وأقول : الصواب الأول ، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان السابقة . أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قالت اليهود : يا أبا القاسم ، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى ، فنزلت . وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ : " قال المشركون " . وأخرج نحوه عن قتادة والسدي . فإن قلت : ليس في القرآن التصريح بذلك ، وإنما هو على تقدير ثبوته ، قول الكفار ؟ . قلت : سكوته - تعالى - عن الرد عليهم في ذلك وعدوله إلى بيان حكمته دليل على صحته ، ولو كانت الكتب كلها نزلت مفرقة لكان يكفي في الرد عليهم أن يقول : إن ذلك سنة الله في الكتب التي أنزلها على الرسل السابقة ، كما أجاب بمثل ذلك قولهم : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [ الفرقان : 7 ] ، فقال وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [ الفرقان : 20 ] وقولهم أبعث الله بشرا رسولا [ الإسراء : 94 ] ، فقال وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم [ يوسف : 109 ] وقولهم : كيف يكون رسولا ولا هم له إلا النساء ؟ فقال ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية [ الرعد : 38 ] . إلى غير ذلك . ومن الأدلة على ذلك - أيضا - قوله تعالى : في إنزال التوراة على موسى يوم الصعقة : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة [ الأعراف : 144 - 145 ] وألقى الألواح [ الأعراف : 150 ] ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة [ الأعراف : 154 ] وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة [ الأعراف : 171 ] ، فهذه الآيات كلها دالة على إتيانه التوراة جملة . وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أعطي موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد ، فيها تبيان لكل شيء وموعظة ، فلما جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفا على عبادة العجل رمى بالتوراة من يده فتحطمت ، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي منها سبع . وأخرج من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، رفعه قال : الألواح التي [ ص: 163 ] أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة ، كان طول اللوح اثني عشر ذراعا . وأخرج النسائي وغيره ، عن ابن عباس في حديث الفتون - قال : أخذ موسى الألواح بعدما سكن عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم ، وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأقروا بها . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ثابت بن الحجاج ، قال : جاءتهم التوراة جملة واحدة ، فكبر عليهم ، فأبوا أن يأخذوه حتى ظلل الله عليهم الجبل فأخذوها عند ذلك . فهذه آثار صحيحة صريحة في إنزال التوراة جملة . ويؤخذ من الأثر الأخير منها حكمة أخرى لإنزال القرآن مفرقا ، فإنه أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس ، لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي . ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري ، عن عائشة ، قالت : إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء : ( لا تشربوا الخمر ) لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ولو نزل ( لا تزنوا ) لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . ثم رأيت هذه الحكمة مصرحا بها في " الناسخ والمنسوخ " لمكي .
فرع . الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها : أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة : خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل ; وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة ، وصح نزول عشر آيات من أول ( المؤمنون ) جملة ، وصح نزول غير أولي الضرر [ النساء : 95 ] وحدها ; وهي بعض آية . وكذا قوله وإن خفتم عيلة [ التوبة : 28 ] إلى آخر الآية ، نزلت بعد نزول أول الآية كما حررناه في أسباب النزول ، وذلك بعض آية . [ ص: 164 ] وأخرج ابن أشتة في كتاب " المصاحف " ، عن عكرمة في قوله بمواقع [ الواقعة : 75 ] قال : أنزل الله القرآن نجوما ثلاث آيات ، وأربع آيات ، وخمس آيات . وقال النكزاوي في كتاب " الوقف " : كان القرآن ينزل مفرقا ، الآية والآيتين والثلاث والأربع ، وأكثر من ذلك . وأخرجه ابن عساكر ، من طريق أبي نضرة ، قال : كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي ، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات ، خمس آيات . وأما ما أخرجه البيهقي في الشعب من طريق أبي خلدة عن أبي العالية ، عن عمر قال : تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات ; فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسا خمسا . ومن طريق ضعيف عن علي قال : أنزل القرآن خمسا خمسا إلا سورة الأنعام ، ومن حفظ خمسا خمسا لم ينسه . فالجواب : أن معناه - إن صح - إلقاؤه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القدر حتى يحفظه ، ثم يلقي إليه الباقي ، لا إنزاله بهذا القدر خاصة . ويوضح ذلك ما أخرجه البيهقي - أيضا - عن خالد بن دينار ، قال : قال لنا أبو العالية : تعلموا القرآن خمس آيات ، خمس آيات فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان [ ص: 165 ] يأخذه من جبريل خمسا خمسا . المسألة الثانية : في كيفية الإنزال والوحي : قال الأصفهاني في أوائل تفسيره : اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل . واختلفوا في معنى الإنزال : فمنهم من قال : إظهار القراءة . ومنهم من قال : إن الله - تعالى - ألهم كلامه جبريل وهو في السماء ، وهو عال من المكان ، وعلمه قراءته ، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان . وفي التنزيل طريقان : أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل . والثاني : أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه والأول أصعب الحالين . انتهى . وقال الطيبي : لعل نزول القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقفه الملك من الله - تعالى - تلقفا روحانيا ، أو يحفظه من اللوح المحفوظ ، فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه . وقال القطب الرازي في " حواشي الكشاف " : والإنزال لغة بمعنى الإيواء ، وبمعنى تحريك الشيء من العلو إلى أسفل ، وكلاهما لا يتحقق في الكلام ، فهو مستعمل فيه في معنى مجازي : فمن قال : القرآن معنى قائم بذات الله - تعالى - فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ . ومن قال : القرآن هو الألفاظ ، فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ . وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن المعنيين اللغويين . ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ وهذا مناسب للمعنى الثاني . والمراد بإنزال الكتب على الرسل : أن يتلقفها الملك من الله تلقفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ ، وينزل بها فيلقيها عليهم . انتهى . وقال غيره : في المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقوال : أحدها : أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به . وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ ، كل حرف منها بقدر جبل قاف ، وأن تحت كل حرف منها معاني لا يحيط بها إلا الله . والثاني : أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة وأنه - صلى الله عليه وسلم - علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة [ ص: 166 ] العرب وتمسك قائل هذا بظاهر قوله - تعالى - : نزل به الروح الأمين على قلبك [ الشعراء : 193 - 194 ] . والثالث : أن جبريل ألقى إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك . وقال البيهقي في معنى قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر يريد - والله أعلم - : إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع ، فيكون الملك منتقلا من علو إلى أسفل . قال أبو شامة : هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه ، يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن ، وأنه صفة قائمة بذات الله - تعالى - . قلت : ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى : ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله ، فإذا سمع بذلك أهل السماء ، صعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة ، فكلما مر بسماء ، سأله أهلها : ماذا قال ربنا ؟ قال : الحق . فينتهي به حيث أمر . وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان ، فيفزعون ويرون أنه من أمر السرعة . وأصل الحديث في الصحيح . [ ص: 167 ] وفي تفسير علي بن سهل النيسابوري : قال جماعة من العلماء : نزل القرآن جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له : بيت العزة ، فحفظه جبريل ، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله ، فمر بهم جبريل ، وقد أفاقوا ، فقالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق - يعني القرآن - وهو معنى قوله : حتى إذا فزع عن قلوبهم [ سبأ : 23 ] فأتى به جبريل إلى بيت العزة ، فأملاه على السفرة الكتبة - يعني الملائكة - وهو معنى قوله - تعالى - : بأيدي سفرة كرام بررة [ عبس : 15 - 16 ] . وقال الجويني : كلام الله المنزل قسمان : قسم قال الله لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن الله يقول : افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربه ، ثم نزل على ذلك النبي وقال له ما قاله ربه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال . فإن قال الرسول : يقول الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرق ، وحثهم على المقاتلة ، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة . وقسم آخر قال الله لجبريل : اقرأ على النبي هذا الكتاب ، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير . كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ، ويقول : اقرأه على فلان ، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا . انتهى . قلت : القرآن هو القسم الثاني ، والقسم الأول هو السنة ، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن . ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى ; لأن جبريل أداه بالمعنى ، ولم تجز القراءة بالمعنى ; لأن جبريل أداه باللفظ ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى . والسر في ذلك : أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه . وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه ، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف ، فتأمل . وقد رأيت ، عن السلف ما يعضد كلام الجويني . وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق عقيل ، عن الزهري : أنه سئل عن الوحي ، فقال : الوحي ما يوحي الله إلى نبي من الأنبياء ، فيثبته في قلبه ، فيتكلم به ويكتبه ، وهو كلام الله . [ ص: 168 ] ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ، ولكنه يحدث به الناس حديثا ، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه . فصل . [ كيفيات الوحي ] . وقد ذكر العلماء للوحي كيفيات : إحداها : أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس ، كما في الصحيح . وفي مسند أحمد ، عن عبد الله بن عمر : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - هل تحس بالوحي فقال : أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض . قال الخطابي : والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد . وقيل : هو صوت خفق أجنحة الملك . والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي ، فلا يبقى فيه مكانا لغيره . وفي الصحيح أن هذه الحالة أشد حالات الوحي عليه . وقيل : إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد . الثانية : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - إن روح القدس نفث في روعي أخرجه الحاكم . وهذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها ، بأن يأتيه في إحدى الكيفيتين وينفث في روعه . الثالثة : أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه ، كما في الصحيح وأحيانا يتمثل لي الملك [ ص: 169 ] رجلا فيكلمني فأعي ما يقول . زاد أبو عوانة في صحيحه : " وهو أهونه علي " . الرابعة : أن يأتيه الملك في النوم ، وعد من هذا قوم سورة الكوثر ، وقد تقدم ما فيه . الخامسة : أن يكلمه الله إما في اليقظة كما في ليلة الإسراء ، أو في النوم ، كما في حديث معاذ أتاني ربي فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى . . . الحديث . وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم . نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة لما تقدم وبعض سورة الضحى وألم نشرح ; فقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث عدي بن ثابت قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سألت ربي مسألة ، وددت أني لم أكن سألته قلت : أي رب ، اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ؟ فقال : يا محمد ، ألم أجدك يتيما فآويت ، وضالا فهديت ، وعائلا فأغنيت ، وشرحت لك صدرك ، وحططت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، فلا أذكر إلا ذكرت معي ! . فائدة : أخرج الإمام أحمد في تاريخه من طريق داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : [ ص: 170 ] أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - النبوة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين ، فكان يعلمه الكلمة والشيء ، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه ، فلما مضت ثلاث سنين ، قرن بنبوته جبريل ، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة . قال ابن عساكر : والحكمة في توكيل إسرافيل به أنه الموكل بالصور الذي فيه هلاك الخلق وقيام الساعة ، ونبوته - صلى الله عليه وسلم - مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحي ، كما وكل بذي القرنين ريافيل الذي يطوي الأرض ، وبخالد بن سنان مالك خازن النار . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن سابط قال : " في أم الكتاب كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة ، فوكل ثلاثة بحفظه إلى يوم القيامة من الملائكة ، فوكل جبريل بالكتب والوحي إلى الأنبياء ، وبالنصر عند الحروب ، وبالمهلكات إذا أراد الله أن يهلك قوما ، ووكل ميكائيل بالقطر ، والنبات ، ووكل ملك الموت بقبض الأنفس ، فإذا كان يوم القيامة عارضوا بين حفظهم وبين ما كان في أم الكتاب فيجدونه سواء " . وأخرج - أيضا - عن عطاء بن السائب ، قال : أول ما يحاسب جبريل ، لأنه كان أمين الله على رسله . فائدة ثانية : أخرج الحاكم ، والبيهقي ، عن زيد بن ثابت : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أنزل القرآن بالتفخيم كهيئته عذرا أو نذرا [ المرسلات : 6 ] و ( الصدفين ) و ألا له الخلق والأمر [ الأعراف : 54 ] وأشباه هذا . [ ص: 171 ] قلت : أخرجه ابن الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " فبين أن المرفوع منه " أنزل القرآن بالتفخيم " فقط ، وأن الباقي مدرج من كلام عمار بن عبد الملك ، أحد رواة الحديث . فائدة أخرى : أخرج ابن أبي حاتم ، عن سفيان الثوري ، قال : لم ينزل وحي إلا بالعربية ، ثم ترجم كل نبي لقومه . فائدة أخرى : أخرج ابن سعد ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي يغط في رأسه ، ويتربد وجهه ، أي : يتغير لونه بالجريدة ويجد بردا في ثناياه ، ويعرق حتى يتحدر منه مثل الجمان .

من كتاب الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي رحمه الله


تم تحرير الموضوع بواسطة :عبد المجيد
بتاريخ:30-05-2011 11:22 مساء


10-06-2011 07:15 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
احمد عادل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 04-06-2011
رقم العضوية : 50
المشاركات : 218
الدولة : DZ
الجنس : ذكر
تاريخ الميلاد : 24-3-1992
قوة السمعة : 263
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif بحث في كيفية إنزال القرآن الكريم
62

20-01-2012 08:02 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
صالح333
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 244
المشاركات : 276
الدولة : الجزائر
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 41
 offline 
look/images/icons/i1.gif بحث في كيفية إنزال القرآن الكريم
شكرا لك على المشاركة




الكلمات الدلالية
بحث ، في ، كيفية ، إنزال ، القرآن ، الكريم ،


 









الساعة الآن 01:24 صباحا