أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





شرح حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يو لا ظل إلا ظله

السبعة الذين يظلهم الله في ظله الحمد لله الذي منَّ على عباده بكثير من العطايا والهبات، فلا زال سبحانه بمنِّه وكرمه يعطي ..



17-02-2014 04:19 مساء
العربي مناد
rating
الأوسمة:1
وسام عضو مميز
وسام عضو مميز
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 03-11-2011
رقم العضوية : 179
المشاركات : 36
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 152
الدولة : الجزائر
 offline 
السبعة الذين يظلهم الله في ظله
الحمد لله الذي منَّ على عباده بكثير من العطايا والهبات، فلا زال سبحانه بمنِّه وكرمه يعطي عطاءه الذي لا ينفد عطاءً غير مَجْذُوذ،والصلاة والسلام على خير من فسَّر تلك العطايا وحثَّ عليها،سيدنا محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم وبعد فيا أخي القارئ، حينما تقلِّب ناظريك في ربوع سُنة سيدنا محمد r تجد فيها كنوزًا وعطايا عظيمة، والنفسُ تشتهي، لكن لا ينال الخيرَ كلُّ مدَّعٍ؛ لأن المدَّعي لا بد له من بيِّنة، فمن ادَّعى محبته للسنة، وإرادته لنيل العطايا، لا بد له من بيِّنة الإتباع، ومن أكثر الأحاديث شهرةً في هذا المجال، وأعظمِها ثمرةً حديثُ السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه، فإليك الحديثَ - أخي المبارك - بما يسَّر الله لي فيه من توضيح وبيان، وإني أرجو الله  تعالى - أن يجعلني وإياك من أهل هذا الحديث، إنه جواد كريم  .
عن أبي هريرة ( ض ) قال : قال رسول الله r: ( سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال: إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه )
لهذا الحديث أهميةٌ عظيمة، جعلت العلماءَ يفردونه بالتأليف والشرح والبيان؛ بل لو أفرد كل واحد من هؤلاء السبعة برسالة مستقلة، لكان حريًّا بذلك كما قال ابن عبدالبر - رحمه الله تعالى: ( هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال، وأعمها وأصحها إن شاء الله ، وحسبك به فضلا ، لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف ). وممن ألف في ذلك ابن حجر - رحمه الله - وأسماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال وللسيوطي كتاب اسمه تمهيد الفرش وللسخاوي "الاحتفال بجمع أولي الظلال" ولمحمد مصطفى ماء العينين ابن محمد فاضل كتاب، اسمه منيل البش فيمن يظلهم الله في ظل العرش"، وللدكتور سيد عفاني كتاب، اسمه: "ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله"، وهذه المصنفات من أشهر ما صنف، و هناك غيرها، وما ذاك إلا لأهمية هذا الحديث؛ ولذا يقول الآجري في كتابه "الأربعين حديثًا" بعد أن ذكر حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الباب، قال: "وقد رسمت جزءًا واحدًا في صفة واحد من هؤلاء وفقههم على الانفراد، من أراده وجده - إن شاء الله - فإنه حديث شريف يتأدب به جميع من يعبد الله - تعالى - لا يتعب في عمله إلا عاقلٌ، ولا يستغني عنه إلا جاهل".
حديث الباب فيه ذكر سبعة أصناف من الذين يظلهم الله - تعالى - بظله يوم لا ظل إلا ظله، واختلف: هل ذكر العدد سبعة في هذا الحديث له مفهوم، فيفيد الحصر، أو أنه لا مفهوم له؟ القول الأول:إن العدد في حديث الباب لا مفهوم له، فلا ينحصر عددهم بهؤلاء السبعة؛ ولذا جمع العلماءُ من ورد فيه هذا الفضل أن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، حتى أوصلوا عددهم إلى السبعين، ولكن من هؤلاء السبعين من ورد بأحاديث ضعيفة، وما صحتْ به الروايات أقلُّ من هذا العدد بكثير، كما هو ظاهر كلام ابن حجر - رحمه الله.
والقول الثاني:إن العدد في الحديث له مفهوم، والفضل مقصور على هؤلاء السبعة، وأما غيرهم مما ذكر في الأحاديث الأخرى، فيندرج تحت صنف من هذه الأصناف السبعة.
والخلاف هنا لا يضر؛ فالقولان متقاربان في الجملة، وأهم شيء معرفة أن هناك ممن يظلهم الله تعالى يوم القيامة غيرَ هؤلاء السبعة في الحديث، ومن ذلك حديث أبي اليسر رضي الله عنه أن النبي  rقال: (من أنظر معسرًا أو وضع له، أظلَّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ؛وإنظارُ المعسر والوضع عنه لم يُذكَر في الحديث السابق مع الأصناف السبعة، وهذا يدل على وجود أصناف يظلهم الله تعالى في ظله في غير هذا الحديث،وقد نظم الإمام أبو شامة رحمه الله السبعة المذكورين فقال:                                                  
وقال النبي المصطفى إن سبعة
 
يظلهم الله الكريم بفضله
  
محب عفيف ناشئ متصدق
 
وباك مصل والإمام بعدله
  
 
قال ابن حجر رحمه الله: "ثم تتبعتُ بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد، ونظمتها في بيتين تذييلاً على بيتي أبي شامة، وهما:
وزد سبعة إضلال غاز وعونه
 
وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله
  
وإرفاد ذي عزم وعون مكاتب
 
وتاجر صدق في المقال وفعله
  
 
معنى ظل الله تعالى :
اختلف أهل العلم في معنى الظل في قول النبي  r: (يظلهم الله في ظله) على أقوال، وقبل ذكر الأقوال، لا بد من معرفة أن الظل في الأحاديث جاء على ضربين: تارة يأتي مضافًا إلى الله - تعالى. مثال ذلك: حديث أبي هريرة في شرحنا، وحديث أبي اليسر رضي الله عنه أن النبي  r قال: ((من أنظر معسرًا أو وضع له، أظلَّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  r قال: ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي))؛ وتارة يأتي مضافًا إلى العرش.مثال ذلك: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي r قال: ((المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله)وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال: ((من أنظر معسرًا أو وضع له، أظلَّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله))  قال الشيخ عطية سالم  رحمه الله:(إن حقيقة الإضلال بالعرش لا نستطيع تكييفها كتكييفنا للظل في الدنيا  لأن الشمس من كواكب السماء والدنيا أو حتى على ما قيل في السماء الرابعة، فأين هي من العرش حتى تعلوه، فيكون هو الحاجز دونها ويستظلون بظله)قال الإمام النووي في شرح مسلم:(قال القاضي إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة ملك وكل ظل فهو لله وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا ظل العرش كما جاء في حديث آخر مبينا، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس واشتد عليهم حرها وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش، وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها كما قال تعالى ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾، قال القاضي: وقال بن دينار المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكف من المكاره في ذلك الموقف قال وليس المراد ظل الشمس قال القاضي وما قاله معلوم في اللسان يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته قال وهذا أولى الأقوال وتكون إضافته إلى العرش لأنه مكان التقريب والكرامة وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله.ـ قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار:  أن الظل المراد في هذا الحديث هو ظل عرش الله عز وجل وقد روي في مثل هذا المعنى من الظل المذكور في كتاب الله عز وجل ﴿وظل ممدود﴾ قال العيني في عمدة القاري:قوله(يظلهم الله) جملة في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ أعني قوله سبعة وقال عياض إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظله فهو ملكه قلت إضافة الظل إليه إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره كما يقال للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وأما الظل الحقيقي فالله تعالى منزه عنه لأنه من خواص الأجسام ويقال المراد ظل العرش ويؤيده ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه) فذكر الحديث ثم كونهم في ظل عرشه يستلزم ما ذكره بعضهم من أن معنى يظلهم الله يسترهم في ستره ورحمته تقول العرب أنا في ظل فلان أي في ستره وكنفه وتسمي العرب الليل ظلا لبرده ويقال المراد من الظل ظل طوبى أو ظل الجنة ويرد هذا قوله يوم لا ظل إلا ظله لأن المراد من اليوم المذكور يوم القيامة والدليل عليه أن عبد الله بن المبارك صرح به في روايته عن عبد الله بن عمر على ما يجيء في كتاب الحدود وظل طوبى أو ظل الجنة إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة وهذا عام في حق كل من يدخلها والحديث يدل على امتياز هؤلاء السبعة من بين الخلق ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم حرها ويأخذهم الغرق ولا ظل هناك لشيء إلا ظل العرش ، وقال : قوله إلا ظله إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة تشريف إذ الظل الحقيقي هو منزه عنه لأنه من خواص الأجسام وقيل ثمة محذوف أي ظل عرشه وقيل المراد منه الكنف من المكاره في ذلك الموقف الذي تدنو الشمس منهم ويشتد عليهم الحر ويأخذهم العرق يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته .
في الحديث بيان فضل هؤلاء السبعة يوم القيامة، وهو ظل الله تعالى لهم في ذلك اليوم، يوم لا ظل إلا ظله، فليس للناس ما يستظلون به من حرِّ الشمس وكربِ ذلك اليوم، إلا من ييسِّر الله له ذلك، فيسعد بنيل صفة من هذه الصفات لحاجته لهذا الظل؛ ففي ذلك اليوم الطويلِ قدرُه؛ قال الله تعالى عنه:(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) العظيمِ هولُه؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)،الشديدِ كربُه؛(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)تدنو الشمس فيه من الخلائق؛ فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال النبيr : (تُدنَى الشمس من الخلائق، حتى تكون منهم بمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يُلجمه العرقُ إلجامًا)؛وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:(يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا) ، فيا سعادة من نال الظل في ذلك اليوم.
أخي المسلم : والمقصود هنا الحديث عن السبعة المذكورين في حديث أبي هريرة المتقدم ، والآن نشرع في البيان:
أولهم إمام عادل
 قال ابن حجر : ( وأحسن ما فسر به العادل : أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولاتفريط. وقدمه في الذكر لعموم النفع به )وقال أيضا : ( والمراد بالإمام العادل في هذا الحديث: هو صاحب الولاية العظمى ويلحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه )والإمام العادل هو أحد الأفراد الذين قاموا بالعدل في أحكامهم وتصرفاتهم،ولكنه خص بالنص هو بالذات لأهميته،وخطر منصبه،وعموم صلاحياته،وإذا طاب الأصل طاب الفرع.كما قال الليث بن سعد لهارون الرشيد:(ومن رأس العين يأتي الكدر،فإذا صفا رأس العين صفت السواقي) ومجمع القول في ذلك أن يقال : عدالة الإمام هي تنفيذ عدالة الله في الأرض، وذلك بتطبيق كتاب الله على عباد الله. وقد جاء عن الإمام أحمد بيان هذا بقوله : ( لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان لأن بصلاحه صلاح الأمة )وقد أمر الله تعالى الراعي والرعية بهذا العدل في آيات كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: ( يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض...الحساب)قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية ( هذه وصية من الله تعالى لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله،وقد توعد الله من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد) .وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط....خبيرا)
والإمام العادل: هو من عدل في رعيته، وحكم فيهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه r؛ فهذا يدعوه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، وفي مسند أحمد عن عبد الله بن مغفل ، أن الرسول rقال:(ما من أمير ولا والي ولي من أمر الأمة شيئاً إلا أتى ويداه مغلولتان وراء ظهره)يأتي يوم القيامة ويداه مغلولتان وراء ظهره، اليمنى فوق اليسرى، سواء عدل أو لم يعدل، فإذا حوسب وكان عادلاً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإذا كان جائراً رده الله على وجهه ويداه مغلولتان وراء ظهره. والإمام العادل يكون في البيت، وفي المدرسة، وفي الدائرة، وفي الأمة، وفي أي مكان، ولذلك يقول rكما في الصحيحين:(كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) إذا علم هذا فأعدل الأئمة رسول الله r، هو أعدل من خلق الله، وهو الذي حكم على نفسه قبل أن يحكم عليه غيره عليه الصلاة والسلام، وأنصف من نفسه، بل كان في آخر أيامه يقف على المنبر ويقول للناس: يا أيها الناس! اللهم من سببته أو شتمته أو ضربته، اللهم اجعلها كفارة له، ثم قال: يا أيها الناس! من سببته أو شتمته أو ضربته، أو أخذت شيئاً من ماله، فليقتص مني اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، هذا عرضي فاقتصوا منه، فتراد المسجد بالبكاء في عهده عليه الصلاة والسلام.
وقعت له عليه الصلاة والسلام قصص في العدالة، ولذلك ورد في الصحيح من حديث عبد الله بن الزبير ، قال:( اختصم أبو عبد الله الزبير بن العوام حواري الرسول r، هو ورجل من الأنصار في مزرعة في شراج الحرة -وهي ضاحية من ضواحي المدينة .فلما اختصم الزبير هو وهذا الرجل الأنصاري، ذهبوا إلى أعدل الخلق، وإلى الحاكم عليه الصلاة والسلام، الذي ائتمنه الله على الوحي من السماء، فكيف لا يأتمنه الناس على الدرهم والدينار، والذي قال الله فيه: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ) وقال في سورة الحاقة وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ). نزه الله سمعه وبصره، ومدح قلبه ويده ورجله، فهو الممدوح المعصوم عليه الصلاة والسلام.حضر ليحكم في القصة؛ فأتى فإذا مزرعة الزبير فوق مزرعة الأنصاري، والزبير بن العوام ابن عمة الرسول عليه الصلاة والسلام صفية بنت عبد المطلب ، والناس تسرع إليهم الشبه والريب، فأتى عليه الصلاة والسلام رحمة بالأنصاري وعطفاً عليه، فأراد أن يكون صلحاً ولا يكون حكماً، لأن للقاضي عليه أن يقدم الصلح قبل الحكم، بشرط أن يكون الصلح غير منافٍ لكتاب الله ولا سنة النبي r، فقال: يا زبير ! اسق، فإذا سقيت فاترك الماء ينـزل إلى مزرعة الأنصاري. فغضب الأنصاري، وهو مسلم ولكن الشيطان راوده، يغضب على سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، فالتفت الأنصاري والصحابة وقوف، وقال: أن كان ابن عمتك حكمت له؟ سبحان الله!الرسول يميل مع ابن العمة وابن الجدة وابن الخالة، وينسى الله وهو أتقى الناس لله! فاحمر وجهه عليه الصلاة والسلام وسكت، فقام عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يا رسول الله! نافق هذا الرجل دعني أضرب عنقه.ثم ما دام أن الأنصاري اتهم النبي rبالجور فالآن يأتى الحكم، كان في صالحه أول النهار، ولكن الآن أتى الحكم، فقال: اسق يا زبير حتى يعود الماء إلى الجدر -يعني إلى الجدار- ثم اترك الماء يمر. فما رضي الأنصاري أول مرة بالصلح الذي هو لصالحه، ولكن غاضب الرسول rفحاكمه إلى السنة، فقال: والسنة أن يسقي حتى يعود إلى الجدار، ثم اترك الماء. فذهب r، فأنزل الله عليه وهو في طريقه إلى المدينة قوله تعالى:(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) معنى الآية: والله لا يدخل الإيمان في قلوبهم، ولا يذوقون طعم اليقين حتى يحكموك ويجعلوك حكماً عادلا ًمنصفاً يرضونك، حتى يقول بعض العلماء: يرضونك في لا إله إلا الله، كما رضوك في أقل شعائر الدين. فمن لم يرض به  rحاكماً في عبادته، وعقيدته، وسلوكه، وأخلاقه، فوالله ما آمن ولا رضي بالله رباً، ولا بالرسول  rإماماً. ووقعت له  rقصة أخرى وهو يقسم الغنائم بين الناس، فكان يعطي هذا ليتألفه للإسلام كما تعرفون، ويقلل لهذا لأن في قلبه إيماناً ويقيناً وصدقاً، فيأتي بعض المنافقين ويجلس ويقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. فيذهب ابن مسعود فيقول: أتيت إلى رسول الله  rفساررته في أذنه بالخبر، فتغير وجهه حتى أصبح كالصرف. قيل: الصرف النحاس الأحمر، وقيل: الذهب الأحمر، وقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال ابن مسعود قلت في نفسي لا جرم والله لا أرفع إليه بعدها كلمة. قال: فذهبت، فأتى خارجي ناتئ الجبين، أي: مقدم الجبين، فقال: يا محمد! اعدل -يأمر الرسول r فقال رسول الله: خبت وخسرت إن لم أعدل، ألا تؤمنوني وأنا أمين من في السماء، فقال عمر : دعني أضرب عنقه يا رسول الله! قالr: لا. يخرج من ضئضئ هذا -قيل ثديه وقيل يده؛ لأنه كان في يده كحلَم الشاة، وقيل: كحلَم الشاة وعليها شعرات، قال:(يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وهؤلاء هم الخوارج ، أخذوا بالحكم الظاهر وتركوا حقائق الأمور، فأدركهم سيف الله المنتضى أبو الحسن ، فقتلهم قتل عاد، وكانت من حسناته. فالإمام العادل وأعدل الناس هو الرسولr، ثم أتى الأئمة العدول بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما المقصود من هذا أن من ولاه الله أمراً من أمور هذه الأمة فليتق الله وليعدل؛ إن كان مديراً في مدرسة، أو مسئولاً في الحكومة، أو موظفاً أو رائداً في بيته، أو مسئولاً وأميراً في سفر، أو إماماً عاماً أو قاضياً؛ فليعلم أنه يأتي يوم القيامة إما عادلاً يظله الله في ظله أو جائراً يتلفه الله عز وجل.
أورد أهل السير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه - وسيره وسير أبي بكر وعمر وعثمان ؛ هؤلاء الصفوة هي التي تحيي القلوب بإذن الله عز وجل، والذي يريد أن يعرف ويتعرف على الإسلام؛ فعليه أن يقرأ سير هؤلاء فإنهم هم الذين هداهم الله وذكرهم في كتابه.فَقَدَ علي بن أبي طالب درعه، فأخذه يهودي، فمر علي رضي الله عنه، فرأى درعه على اليهودي، فأمسكه بتلابيبه، وقال: درعي يا يهودي! وعلي في ذلك الوقت خليفة المؤمنين من شرق الأرض إلى غربها، وبإمكانه أن يدعو الجنود فيضربوا هذا اليهودي حتى لا يدري أين الشرق من الغرب، لكن.. لا. فالأمر شورى والخلافة بيعة والحق حق والحقوق قضاء فقال اليهودي: ليس هذا بدرعك. فقال علي : بل درعي والله. والواجب أن يصدق، فقال اليهودي: أتحاكم أنا وأنت. قال: أنا الخليفة. قال: لا. أنت ستحكم لنفسك. وأراد اليهودي أن يمتحنه، فذهبوا إلى شريح القاضي ، وهو أحد قضاة علي رضي الله عنه وأرضاه، فلما أتوا إليه قام فرحب بـعلي بن أبي طالب ، قال علي : لا ترحب بي، لأنني خصم. أنا جئتك اليوم خصم، وما جئتك خليفة، إذا جئتك خليفة فرحب بي، ولكن ساو بيننا في لحظك ولفظك. فقال شريح : اجلس هنا يا أمير المؤمنين! قال: لا. لأنني خصم، إما أن تجلسنا سوياً في مكان واحد، أو أجلسنا على الأرض في مكان واحد، فأجلس علياً بجانب اليهودي على الأرض، وجلس شريح على كرسي القضاء. ثم قال: هل لك بينة يا أمير المؤمنين أن الدرع درعك؟ قال: نعم. يشهد لي شاهد. قال: من شاهدك؟ قال: ابني. قال: أنت تعلم أن الابن لا يشهد لأبيه. وعلي يريد أن يختبر القاضي، قال: إذاً ليس عندي شاهد. قال: إذاً فالدرع درع اليهودي، لأنك لم تأت ببينة، فأخذه اليهودي فولى، ثم التفت وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، آمنت بهذا الدين الذي أجلسك يا أمير المؤمنين بمجلس معي، والله الذي لا إله إلا هو إن الدرع درعك، فأعطاه وسلمه ودخل في الإسلام. فهذا وأمثاله من أئمة الإسلام، هم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولذلك يقول أحمد شوقي يمدح الرسول r:
وإذا حكمت فلا ارتياب كأنما   جاء الخصوم من السماء قضاء
وعمر رضي الله عنه وأرضاه مثَّل العدل في الإسلام، وقصصه لا تنتهي أبداً، ولكن نكتفي ببعض المواقف. منها: أنه جلس مع الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة في ضحى النهار، وإذا برجل يقدم من البادية مسحوباً بيده من قبل شباب ثلاثة، فقال لهم عمر : مالكم ماذا وقع؟ قالوا: هذا قتل أبانا. قال: وما الخبر؟قالوا: أتى أبونا بجمل معه، فرعى في مزرعة هذا الرجل، فقام وأخذ حجراً فألقاه على رأس أبينا فقتله، فالتفت عمر إلى الرجل وقال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم. قتلت أباهم. قال: وما حملك؟ قال: عدى بجمله على مزرعتي فظننت أنني سوف أبعده بالحجر فرميته فقتلته. قال القصاص: حكم الله بالقتل. قال: يا أمير المؤمنين! أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تمهلني ثلاثة أيام، فوالله الذي لا إله إلا هو أن أهلي في الصحراء، ما معهم معول إلا أنا بعد الله عز وجل، ولا خليفة لهم بعد الله إلا أنا، لا يعلمون أين ذهبت من أرض الله، لأنني لما قتلت أباهم، اقتادوني إليك ولم أخبر أهلي، قال عمر : لن تذهب، لأنك خصم، وقد حكم عليك بالقصاص إلا أن تأتي بكفيل. فالتفت إلى الصحابة فلم يعرف أحداً منهم أبداً، فأعاد النظر إليهم -ويا سبحان الله! فتيه ونساء وراءه، كيف يقتل في المدينة وهم ليس عندهم خبر، ولا خليفة لهم بعده ولا والي إلا الله عز وجل؟!- فالتفت إلى الصحابة ثم نظر إليهم، فرأى أبا ذر رضي الله عنه، وإذا على وجهه النور والخشية والزهد، فقال: يا شيخ! أنا ما عرفتك لكن أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تكفلني، فإني سوف أعود. قال أبو ذر : ومن بيني ويبنك؟ قال: بيني وبينك الله. قال: أبو ذر ، وعيناه تدمع: كفى بالله ولياً وكفى بالله حسيباً.فقال عمر رضي الله عنه: أكفلته يا أبا ذر ؟ قال: نعم. يا أمير المؤمنين! والله لو كنا في الجاهلية لكفلته، كيف وقد أتاني بموثق من الله. ولذلك لما أتى يعقوب عليه السلام قال لأبنائه: أعطوني موثقاً، فأتوه بموثق من الله عز وجل، فقال: الله على ما نقول وكيل، ومن رضي بالله وكيلاً، كفاه الله عز وجل. فذهب الرجل وبقي أبو ذر ، وجلس الصحابة رضوان الله عليهم، ومضت ثلاثة أيام وهم ينتظرون، وفي اليوم الرابع جلس عمر رضي الله عنه الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى يقول: والله لو فصل عظمي عن لحمي لأعملن بسنه سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجلس ودعا الشباب الذين يطالبون بدم أبيهم، ودعا أبا ذر ، فخرج أبو ذر ، فقال: أجاء الرجل؟ قالوا: لم يأت من البادية. قال: الله المستعان! لأن القصاص في ذلك الوقت، فجلس الصحابة يطالعون وينظرون في الصحراء، وتأخر الرجل حتى قرب الغروب، وقال عمر رضي الله عنه: إن غربت الشمس فالقصاص يا أبا ذر . قال: يا أمير المؤمنين! كيف؟ قال: والله لا أمهلك، حكم الله عز وجل، أنت عن أبيهم لأنك كفيل، فلما أوشكت الشمس على الغروب، وإذا بذلك الرجل يقبل وهو يجري جرياً، فلما دخل ألقى نفسه وقال: والله ما أكلت من الصباح وما شربت؛ لأدرككم، في هذا اليوم، ذهبت إلى أهلي، والله لقد تركت صبيتي وبناتي يتباكون، فتأثر الصحابة كثيراً، والتفت عمر رضي الله عنه، وقال: القصاص، حكم الله عز وجل. فقام الشباب، وقالوا: ما دام أن هذا أوفى مع الله عز وجل، فلا يكون أوفى منا، قد عفونا عنه وسامحناه، فقام عمر وقال: عفا الله عنكم يوم العرض الأكبر، وجزاك الله بوفائك خيراً يوم أتيت، وبارك الله فيك يا أبا ذر ؛ لأنك كفلته في ذات الله عز وجل.فهذه صورة رائعة من صور العدل التي مثلها عمر رضي الله عنه وأرضاه للأمة.
وقد أثنى النبيr على أهل العدل وبين ثوابهم وفضلهم في أحاديث منها : *عن عبد الله بن عمرو(ض) قال: قال رسول اللهr: ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) .* وعن أبي هريرة(ض) قال:قال رسول اللهr: ( ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرا والمظلوم والإمام المقسط) والأحاديث في فضل العدل وثمرته كثيرة،وبالجملة فعلى العدل قامت السماوات والأرض. كتب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري - رحمه الله - أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل.فكتب إليه الحسن - رحمه الله - : ( اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل ،وقصد كل جائر،وصلاح كل فاسد،وقوة كل ضعيف،ونصفة كل مظلوم،ومفزع كل ملهوف.والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالراعي الشفيق على إبله،الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي ،ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع،ويكنها من أذى الحر والقر.والإمام العادل يا أمير المؤمنين: كالأب الحاني على ولده،يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا،يكتسب لهم في حياته،ويدخر لهم بعد مماته.والإمام العادل يا أمير المؤمنين:كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها،حملته كرها ووضعته كرها،وربته طفلا،تسهر بسهره وتسكن بسكونه،ترضعه تارة،وتفطمه أخرى،وتفرح بعافيته،وتغتم بشكايته.والإمام العادل يا أمير المؤمنين:وصي اليتامى وخازن المساكين،يربي صغيرهم ويمون كبيرهم.والإمام العادل يا أمير المؤمنين:كالقلب بين الجوارح،تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده.والإمام العادل يا أمير المؤمنين:هو القائم بين الله وبين عباده،يسمع كلام الله ويسمعهم،وينظر إلى الله ويريهم،وينقاد إلى الله ويقودهم،فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله عز وجل كعبد ائتمنه سيده،واستحفظه ماله وعياله،فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين: أن الله أنزل الحدود ليزجربها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها،وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم،واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده،وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه،فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر.واعلم يا أمير المؤمنين:أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه،يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحبابك يسلمونك في قعره فريدا وحيدا فتزود له ما يصحبك : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ) واذكر يا أمير المؤمنين: ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور) فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.فالآن يا أمير المؤمنين :وأنت في مهل قبل حلول الأجل،وانقطاع الأمل.لا تحكم - يا أمير المؤمنين - في عباد الله بحكم الجاهلين ،ولا تسلك سبيل الظالمين،ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين،فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة ،فتبوء بأوزارك وأوزارا مع أوزارك،وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك،ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك،ولا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت مأسور في حبال الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين وقد عنت الوجوه للحي القيوم.إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولوا النهى من قبلي،فلم آلك شفقة ونصحا ،فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .)هذا؛ وقد حذر النبي r من مغبة الجور في الحكم وغش الرعية في عدة أحاديث منها قولهr:( إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي ؟أولها ملامة،وثانيها ندامه،وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل) وقولهr:( إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه،أحفظ أم ضيع،حتى يسأل الرجل عن أهل بيته ) وعن معقل بن يسار قال : قال رسول اللهr: ( أيما رجل غش رعيته فهو في النار).
وثانيهم شاب نشأ في عبادة الله عز وجل
فهذا الشاب وفَّقَهُ الله منذ نَشأ للأعمال الصالحة، وحبَّبها إليه، وكَرَّه إليه الأعمال السيئة، وأعانه على تركها: إما بسبب تربية صالحة، أو رِفْقة طيبة، أو غير ذلك؛ وقد حفظه الله ممَّا نشأ عليه كثيرٌ من الشباب من اللهو واللَّعب، وإضاعة الصلوات، والانهماك في الشهوات والملذَّات، وقد أثنى الله على هذا النشء المبارك بقوله:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى).ولما كان الشباب داعيًا قويًّا للشهوات، كان من أعجب الأمور الشاب الذي يُلزِم نفسَه بالطاعة والاجتهاد فيها، واستحقَّ بذلك أن يكون من السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه. لقد علم أنه مسؤولٌ عن شبابه فيما أبلاه، فعمل بوصية نبيِّه rالتي أوصى بها؛ حيث قال:(اغْتَنِم خمسًا قبل خَمْسٍ: شبابَك قبل هَرَمِكَ، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك، وصحتَك قبل سقمك، وغِنَاك قبل فَقْرك) وعن ابن مسعود رضي الله عنه:أن النبي rقال:(لا تزول قَدَما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمسٍ: عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما عَلِم)والشباب هم عماد الأمَّة، وهم جيل المستقبل؛ منهم يتكوَّن بناءُ الأمة، ومنهم ينشأ العلماء والمصلحون والمجاهدون وغيرهم من أبناء المجتمع، الذين إذا صلحوا انتفعت بهم مجتمعاتهم في الدنيا والآخِرة؛ قال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)وعن أبي هريرة رضي الله عنه:أن النبي rقال:(إذا مات ابن آدمَ انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صَدَقَةٍ جارية، أو عِلْمٍ يُنتفع به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له)ومن الأمثلة على الشباب الملتزِم بطاعة ربه شبابُ الصحابة؛ أمثال: أسامة بن زيد، الذي أرسله النبي rلقيادة جيش المسلمين المتَّجِه إلى الشام، وعمره لم يتجاوز السابعة عشر، وفي القوم كِبَارُ الصحابة، حتى إن أبا بكر كان يستأذن أسامة بن زيد أن يُبقيَ عمر عنده في المدينة، فيأذن أسامة في ذلك، وعلي بن أبي طالب الذي بات في فراش النبي rعندما هاجر إلى المدينة، وعَرَّضَ نفسه للقتل فداءً للنبي r وجعفر بن أبي طالب الذي كان قائدًا لجيش المسلمين في معركة مُؤْتَة الشهيرة خَلَفًا للقائد زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي قُتِل في تلك المعركة، فحَمَل راية المسلمين وأخذ سيفه، وهو يقول: 
يا  حَبَّذَا  الجَنَّةُ   وَاقْتِرَابُهَا
 
طَيِّبَةٌ     وَبَارِدٌ     شَرَابُهَا
  
والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
 
عَلَيَّ  إِنْ  لاقَيْتُهَا  ضِرَابُهَا
  
 
فقطعوا يده اليمنى، فأمسك الراية بيده اليسرى، فقطعوا يده اليسرى، فضم الراية إلى صدره، فتكاثروا عليه فقتلوه.يقول عبدالله بن عمر: "التمسنا جعفر بن أبي طالب في القتلى، فإذا هو قد ضُرِب بضعًا وتسعين ضربة، ما بين ضربةٍ بسيفٍ، وطعنةٍ برمح.قال تعالى:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) .ومن الأمثلة كذلك: محمد بن القاسم، الذي فتح بلاد السند والهند وعمره لم يتجاوز السابعة عشر؛ كما تروي لنا كتب السير.قال الشاعر:
عُبَّادُ  لَيْلٍ  إِذَا  جَنَّ  الظَّلامُ  بِهِمْ
 
كَمْ عَابِدٍ دَمْعُهُ  فِي  الخَدِّ  أَجْرَاهُ
  
وَأُسْدُ غَابٍ إِذَا نَادَى الجِهَادُ بِهِمْ
 
هَبُّوا إلى المَوْتِ يَسْتَجْدُونَ رُؤْيَاهُ
  
يَا رَبِّ فَابْعَثْ لَنَا مِنْ مِثْلِهِمْ  نَفَرًا
 
يُشَيِّدُونَ   لَنَا    مَجْدًا    أَضَعْنَاهُ
  
 
ومن الشباب الذين نشئوا في عبادة الله كما في السير والأخبار أيوب بن أبي تميمة السختياني ، وهو من رواة البخاري ومسلم ، كان في العشرين من عمره وكان إذا خرج إلى السوق ونظر الناس إلى وجهه، تركوا بضائعهم وقاموا على أرجلهم، وقالوا: لا إله إلا الله، حتى يقول الحسن البصري:(هذا سيد شباب أهل البصرة ، وإني لأظنه من أهل الجنة ) أيوب هذا كان لا يعرف إلا الله عز وجل، فكان من بيته إلى مسجده، وكان يقرأ الحديث على الناس فتغلبه عيناه بالدموع، فيميط عن أنفه ويقول: ما أشد الزكام! يظهر أن هناك زكاماً وهو البكاء، يقول الإمام مالك : ما ظننت أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة وهو شاب قدم علينا، فسلم على رسول الله في قبره، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف. فهذا من الشباب الذين نسأل الله أن يظلهم وإيانا في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وذكر الذهبي وغيره من أهل التواريخ والسير: أن سهل بن عبد الله التستري كان شاباً صغيراً، فكان يقرأ القرآن في المسجد مع شيخه، فكان شيخه يحبه كثيراً، فذهب زملاؤه إلى آبائهم وقالوا: يا أبانا! شيخنا يحب سهلاً أكثر منا، فذهب آباؤهم وقالوا: كيف تقدم سهلاً على أبنائنا دائماً وهم سيان في القراءة والتلاوة، قال: لأن سهلاً يخاف من الله عز وجل أكثر من أبنائكم.قالوا: دلل لنا على ذلك. فقال: سوف أدلل لكم على ذلك -وكان هذا الشيخ حكيماً- فقال لهؤلاء الطلاب: ليأتي كل منكم بدجاجة، فأتوا في الصباح كل واحد منهم بدجاجة، فلما أحضروها قال: كل منكم يذهب بهذه الدجاجة إلى مكان لا يراه فيه أحد ويذبحها. فذهبوا جميعاً كلٌ بدجاجته، فلما اختفوا؛ ذبح كل واحد منهم دجاجته ثم رجعوا إلى الشيخ إلا سهلاً لم يذبح دجاجته، فقال: أذبحتم دجاجكم؟ قالوا: نعم. قال: وأنت. قال: ما ذبحتها. قال: ولم؟ قال: لأنك قلت لي في مكان لا يراني فيه أحد، والله يراني في كل مكان. قال: فلما أتيت وسللت هذه السكين لأذبح هذه الدجاجة تذكرت الله فكففت. قال: نعم. وأنت نسأل الله أن تكون -أو كما قال- ممن يعبد الله كأنه يراه. فهذه هي أعظم درجات الخشية من الله، وهؤلاء من الشباب الذين يحبهم الله عز وجل وأنشأهم في عبادته، ويظلهم في ظله.
وهذا النوع من الشباب يعجب الله له .عن عقبة بن عامرrقال: قال رسول الله r: (إن ربك ليعجب للشاب لا صبوة له) قال الإمام المناوي في شرحه لهذا الحديث: ( يعظم عنده قدرا فيجزل له أجرا لكونه ليست له صبوة،أي لا يميل إلى الهوى بحسن اعتياده للخير وقوة عزيمته في البعد عن الشر) قال حجة الإسلام: (وهذا عزيز نادر،فلذلك قرن بالتعجب)وهو اليوم أقل نذرة ،لكن من الناس من ينشئه الله نشأة حسنة ويربيه على طاعته، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله يستحي أن يعذب شاباً في الإسلام } فإذا كان الله يستحي من فوق سبع سموات أن يعذب شاباً في الإسلام؛ فما بالك بالذين لا يستحون من الله عز وجل؟!
فأين شبابنا من شباب سلفنا ؟ وأين هممهم من هممهم؟أين أمثال :أسامة بن زيد ؟أين أمثال عمير بن أبي الوقاص؟أين أمثال أولاد العفراء؟أين وأين وأين؟ على حال شبابنا فلتبك البواكي.
أخي المسلم:إن فترة الشباب هي رأس مال المسلم ومتجره وسوف يسأل عنها يوم القيامة.قالr: ( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيم علم ) وهاهي حفصة بنت سيرين رحمها الله تستنهض همم الشباب وتدعوهم إلى اغتنام الفرصة فتقول: ( يا معشر الشباب اعملوا فإني رأيت العمل في الشباب هو القوة، فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله) فما أعظمها من موعظة لو كان بالقلوب حياة.
ثالثهم رجل قلبه معلق بالمساجد
 قال الحافظ بن حجر: ( قوله r: ( معلق في المساجد) هكذا في الصحيحين،وظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بالشئ المعلق في المسجد كالقنديل مثلا،إشارة إلى طول الملازمة بقلبه،وإن كان جسده خارجا عنه،ويدل عليه رواية الجوزقي : ( كأنما قلبه معلق في المسجد) ويحتمل أن يكون من العلاقة، وهي شدة الحب،ويدل عليه رواية أحمد: ( معلق بالمساجد) وكذلك رواية سلمان: ( من حبها ) ) .أخي المسلم من أجل هذا الفضل كان السلف الصالح من أحرص الناس على ملازمة المسجد وحضور الجماعة فيه.روى الطبراني في الكبير عن عنبسة بن الأزهر.قال: تزوج الحارث بن حسان-وكان له صحبة- فقيل له: أتخرج-يعني لصلاة الفجر-وإنما بنيت بأهلك هذه الليلة فقال: ( والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء) وسمع عامر بن عبد الله بن الزبير المؤذن وهو يجود بنفسه ،ومنزله قريب من المسجد،فقال: ( خذوا بيدي! فقيل إنك عليك!فقال:أسمع داعي الله فلا أجيبه،فأخذوا بيده)فدخل في صلاة المغرب،فركع مع الإمام ركعة ثم مات. أرأيت أخي حرصا أشد من هذا الحرص:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم        ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
وقال عدي بن حاتم(ض) : ( ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء) وقال قاضي الشام سليمان بن حمزة المقدسي: ( لم أصل الفريضة منفردا إلا مرتين،وكأني لم أصلها قط) مع أنه قارب التسعين.وعن عطاء بن السائب قال : ( دخلنا على أبي عبد الله السلمي وهو يقضي -في سياق الموت-في المسجد فقلنا له:لو تحولت إلى الفراش -يعني بيته-فإنه أوثر،فقال: ( حدثني فلان أن النبيrقال: ( لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة)فأريد أن أموت وأنا في مسجدي).
يا من له تعنو الوجوه وتخشع     ولأمره كل الخلائق تخضع
أعنو إليك بجبهة لم أحــــــنها     إلا لوجهك ساجـــدا أتضرع
قيل عن الإمام الأعمش رحمه الله، أحد رواة الصحيحين ، من الذين حفظوا كثيراً من دواوين الإسلام والحديث النبوي: حضرته الوفاة فبكى ابنه كثيراً، فقال لابنه: ابك أو لا تبك، فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة. وهذا من باب حسن الظن بالله عند سكرات الموت. وذكر ابن الجوزي عن عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير أنه ما كان يترك المسجد، بل كان يأتي قبل الصلاة بأوقات، فأتى يوماً من الأيام في الصف الثاني، فقال: الله المستعان! والله ما صليت في الصف الثاني منذ عقلت رشدي، لم أصلّ إلا في الصف الأول. قالوا: فلما حضرته الوفاة وهو في سكرات الموت أو قبلها بقليل سمع أذان المغرب، فبكى بكاءً طويلاً، فقالوا: مالك؟ قال: يصلي الناس في المسجد وأصلي في البيت. قالوا: أنت مريض. قال: والله لن يكون إلا خروج نفسي أو أصلي مع الناس، احملوني إلى المسجد. فحملوه فلما صلى مع الناس قبضه الله في آخر سجدة. فسلم الناس وإذا هو ساجد لله عز وجل، حركوه فإذا هو ميت، فقالوا لأبنائه: ما هذه الميتة السعيدة الحسنة؟ فقال أبناؤه: والله ما كان أبونا يقوم أي يوم إلا ويقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. فقلنا له: يا أبه، ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد. فلبى الله له ما سأل فتوفي وهو ساجد.هذا لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى علم الصدق منه، وكان سيد الخلق عليه الصلاة والسلام إذا ازدحمت عليه الأمور والأحزان قال:(أرحنا بها يا بلال).
وقل لبلال العزم من قلب صادق
 
أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً
  
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً

 
به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا
  
 
وكان عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة يشتغل بمهنة أهله.يقطع مع أهله اللحم، ويخسف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويكنس بيته، وهو أشرف من خلق الله عز وجل، قالت عائشة رضي الله عنها:( فإذا سمع النداء، قام من مجلسه، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه).وذكروا في السير أن أحد الصالحين كان يعمل نجاراً، لأن الطائفة المنصورة أو أهل النجاة يجعلهم الله عز وجل موزعين في الناس، من عالم وإمام ومسئول وفلاح وتاجر ونجار ومدرس ومعلم... إلى غير ذلك من الأصناف. فقالوا: كان يشتغل بالنجارة فإذا سمع النداء لا يرد المطرقة، وإنما يسقطها وراءه ويقوم. قال أحد الصالحين: فاتتني صلاة العصر في جماعة، فما عزاني أحد، ومات ابني فعزاني أهل البصرة جميعاً، فوالله الذي لا إله إلا هو إن مصيبة تلك الصلاة بقيت في قلبي ومصيبة ابني ما أحسست بها. وذكر صاحب الحلية : أن أحد الصالحين فاتته صلاة العشاء في جماعة في حياته مرة واحدة، فقال: الله المستعان! ما فاتتني صلاة في جماعة إلا هذه الصلاة، والرسول يقول:( صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) لا جرم لأصلينها سبعاً وعشرين مرة، فقام فصلاها سبعاً وعشرين مرة ثم نام، فرأى في المنام أن خيالة عليهم ثياب بيض، وإذا هم جماعة في المسجد وقد ذهبوا، وهو وراءهم على أرجله، يمشي ويجري ويحاول أن يصل فلا يلحق، وفي الأخير التفت إليه أحدهم وقال: لا تحاول، نحن صلينا في جماعة وأنت صليت وحدك. وقد أعادها سبعاً وعشرين مرة. فهؤلاء دائماً قلوبهم معلقة بالمساجد، فهم ينتظرون القدوم على الله عز وجل، فكأنهم تركوا قلوبهم معلقة في المساجد وذهبوا بأجسامهم إلى البيوت. فمن أراد أن يظله الله عز وجل، فليحرص على أن يكون المسجد مدرسته الروحية، وأن يتذكر كلما تكاسل أن الله سوف يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كلما أتى إلى المسجد، وأنه سوف يمشي في النور التام كلما مشى في الظلمات إلى المساجد، وأن كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، فكن أخي المسلم موصول القلب ببيت الله،عسى أن تنال هذا القرب الكريم.
رابعهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه
 قال ابن حجر : ( المراد أنهما داما على المحبة الدينية،ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت)
فهذه أعظم درجات المحبة، وهؤلاء من الأصناف الثلاثة الذين قال عنهم r: {ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -ثم ذكر منها-: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله } فإذا أحببت رجلاً لله، لا لتجارة ولا لمنفعة ولا لمكسب، فأبشر ثم أبشر، فأنت من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومعنى (اجتمعا عليه) أي: دخلا في محبته سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فكان اجتماعهم بسبب المحبة فيه، (وتفرقا عليه) أي: سافر أحدهم وفارق صاحبه، أو مات أحدهم عن الآخر وهو حبيب له في الله.ولذلك كان r يؤاخي بين الرجلين من الصحابة ويجعلهم إخواناً، فآخى بين سلمان وأبي الدرداء ، وتآخى كذلك في الله سلمان وعبد الله بن سلام ، فقال عبد الله بن سلام لـسلمان : إني أحبك في الله، فأسألك بالله عز وجل إذا مت قبلي أو مت قبلك أن تحرص إذا تلاقينا في المنام أن توصيني بخير يدلني على الله.فمات عبد الله بن سلام قبل سلمان الفارسي ، فرآه في المنام، فقال: كيف أنت؟ قال: أنا في عيشة راضية، وأنا أرى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى كل جمعة، يوم المزيد. قال: فما وجدت خير العمل؟ قال: ما وجدت خير عمل من التوكل على الله، فأوصيك بالتوكل على الله. فكانت هذه وصيته له، فهم تحابوا في الدنيا فكانوا إخوة في الآخرة وفي حياة البرزخ.ولذلك قال أبو الحسن أمير المؤمنين رضي الله عنه: تزودوا من الإخوان فإنهم ذخر في الدنيا وفي الآخرة. قالوا: يا أبا الحسن ، أما في الدنيا فصدقت، وأما في الآخرة فمتى؟! قال: أما سمعتم الله يقول: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) فمن خالل أخاه في ذات الله عز وجل كان خليلاً له في الآخرة، وكان مشفعاً مقبولاً فيه، إذا رضي الله وأذن له وكان من أهل الشفاعة. فالمتحابون يناديهم الله عز وجل: {أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فيقوم نُزَّاع القبائل فيجتمعون حتى يظلهم الله في ظله قيل: من هم نُزَّاع القبائل؟ قال: قوم لم يجتمعوا على حسب، ولا على سبب، ولا على نسب، وإنما جمعهم الحب في الله } هذا من شعب، وذاك من شعب، وهذا من قبيلة وذاك من قبيلة، جمعهم الحب في الله، فيناديهم الله عز وجل، فيقومون يتخطون الناس حتى يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله. وفي الحديث الصحيح: {أن رجلاً خرج من قرية إلى قرية ليزور أخاً له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكاً من الملائكة، فلما مر الرجل قال له الملك: أين تريد؟ قال له: أريد أن أزور أخاً لي في الله. قال: هل له من نعمة عليك يربها؟ -أي يتعاهدها، فأنت تريد مكافأته، وفي لفظ: هل لك عليه من نعمة تربها؟ أي هل هناك سبب دنيوي أو مصلحة؟- قال: لا. والله الذي لا إله إلا هو، وإنما أحبه في الله. قال: أنا رسول الله -يعني ملك أرسله الله- أخبرك أن الله رضي عنك ورضي عن صاحبك وفي لفظ: وأنكما من أهل الجنة } والسبب أنه زاره في الله. وصح عنه rأنه يقول: {قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتزاورين في، والمتجالسين في، والمتباذلين في } المتجالسون الذين لا يجلسون إلا على محبة الله، ويتزاورون محبةً في الله، ويبذل بعضهم بعضاً لله عز وجل، فهؤلاء وجبت لهم محبة الحي القيوم، هذا هو الحب في الله عز وجل، يقول الإمام الشافعي :
أحب الصالحين ولست مــنهم   لعلي أن أنـــــال بهم شفاعة
وأكره مـن تجارته المعاصي   ولو كنا سواء في البضاعة
قال له الإمام أحمد :
تحب الصالحين وأنت منهم     ومنكم قد تناولنا الشفاعة
لأن الإمام الشافعي من أهل البيت، لكن من تواضعه يقول: أما أنا، فإن من صفاتي أنني أحب كل صالح ولو لم أعمل بعمله، وأنا عاصي تواضعاً منه لكني أحب الصالحين، وأكره العصاة وبضاعتي مثل بضاعتهم؛ ولذلك من علامة المؤمن أنه يحب المؤمنين ولو لم يعمل بعملهم، ويبغض العصاة ولو يعمل بعملهم، ومن علامة المنافق أنه يكره الطائعين ويعاديهم، ويحب العصاة ويعمل بعملهم، فهذا فارق بين من يحب في الله عز وجل ومن يحب لغير الله. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: {كان rعلى المنبر يخطبنا، فدخل أعرابي فقطع خطبته وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فسكت r، ولما انتهى من الخطبة، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: المرء يحشر مع من أحب. قال أنس : فوالله ما فرحنا بمثل هذا الحديث، فنحن نحب رسول الله وأبا بكر وعمر ، ولو لم نعمل بعملهم }.ويوم يأتي r في معركة أحد ، فيستنفر الناس للقتال، ويقف على المنبر ويحثهم على المعركة، يقول أحد الشباب: يا رسول الله! اتركنا نخرج إلى المعركة. لأنه عليه الصلاة والسلام قال: القتال سوف يكون داخل المدينة ، وهذا هو الرأي الأصوب، وقد أشار عليه كبار الصحابة أن يبقى محصناً داخل المدينة ، حتى يدخل كفار قريش، ويكون قتلهم داخل المدينة ، فلما رأى الرسول rهذا الرأي، قام أحد الشباب واسمه سالم بن مالك ، وقال: يا رسول الله! لا تحرمنا لقاء الأعداء، ولا تحرمني دخول الجنة، والله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة. فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: بماذا تدخل الجنة؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. قال: إن تصدق الله يصدقك. فقتل في المعركة، وكان من أهل الجنة، والسبب أنه يحب الله ورسوله. وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ، عن بعض أمراء بني أيوب، قال: كان في الدنيا عليه بعض الخطايا، وكان من الأمراء الذين أفادوا في الجهاد، فلما توفي رآه العلماء في المنام، وله جناحان من نور، يطير في الجنة من شجرة إلى شجرة، فقالوا: أنت فلان؟ قال: نعم. قالوا: والله ما كان عملك في الدنيا بذاك. قال: أما سمعتم أن في الحديث يقول r: {المرء يحشر مع من أحب }؟ قالوا: بلى. قال: فوالله الذي لا إله إلا هو، ما كان في الدنيا شيء أحب إلي من الله ورسوله. فبلغته المحبة مع شيء من العمل إلى هذه المنـزلة، ولكن لا يغتر مغتر، كما يقول: الحسن [[لا يقل أحدكم: المرء يحشر مع من أحب. ويعمل عمل الجبارين، ويريد أن يحشر مع الطائعين ]] فإن النصارى أحبوا عيسى حتى ألَّهوه، وهم في النار وهو في الجنة، لكن المقصود أن يكون هناك أصول من العمل، ثم تحب من ارتفع عليك في المنزلة، فإن الله سوف يحشرك في زمرته، بشرط أن يكون لك عمل من طاعة ومن فرائض وواجبات، فإن الله عز وجل سوف يبلغك منـزلة الذي ما بلغت منـزلته بالعمل. وأكثر ما سمع في التاريخ أنهم تحابوا في ذات الله هم الصحابة، حتى يقول عمر : [[يا أيها الناس! والله إنها لتطول بي الليلة شوقاً لأحدكم أو لبعضكم، فإذا أصبحت الصباح التزمته ]] يتذكر عمر أحد الصحابة، فتطول عليه الليلة، فيأتي الصباح فيلتزم الصحابي وهي لم تمر إلا ليلة واحدة. وكان علي رضي الله عنه وأرضاه، يتذكر الصحابة ويبكي بعد صلاة الفجر، ويقول كلاماً ما معناه: ذهبوا وخلفوني. ولما نزل إلى طلحة بعد أن قتل، مسح التراب عن وجهه وقبله وقال: أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [والذي أسس بينهم الإخاء هو رسول الله r، فكانوا إخواناً كما أراد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [.
 وقد ضرب السلف الصالح الأنموذج الأعلى في هذا الحب،قال أحد الصالحين: ( وددت أن أجمع إخواني أتوني فشاركوني في معيشتي حتى يكون عيشنا عيشا واحدا،ولوددت أن أجمع إخواني أتوني في حوائجهم وإني لأستحيي من الله عز وجل أن ألقى الأخ من إخواني فأدعو له بالجنة وأبخل عليه بالدنيا،والدنيا أصغر وأحقر من أن يقال لي يوم القيامة:كنت كذابا ولو كانت الدنيا في يدك كنت بها أبخل) وكان أبو محمد بن علي يدعو نفرا من إخوانه كل جمعة فيطعمهم الطعام الطيب،ويطيبهم ويبخرهم،ويروحون إلى المسجد من منزله.ودخل علي بن زين العابدين بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده،فبكى أسامة،فقال له :ما يبكيك؟قال:علي دين.قال:وكم هو؟قال خمسة عشر ألف دينار.وفي رواية-سبعة عشر ألف دينار- فقال :هي علي. وقال أبو سليمان الدارني - رحمه الله-: ( إني لألقم اللقمةأخا من إخواني،فأجد طعمها في حلقي) هذا وعلامات الحب في الله تتعدى إطعام الطعام،وإنفاق المال إلى ما هو أعلى درجة من ذلك.روى القرطبي عن حذيفة العدوي،قال: ( انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته،فإذا أنا به فقلت له أسقيك فأشار برأسه أن نعم،فإذا أنا برجل يقول آه آه .فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمع آخر يقول: آه آه .فأشار هشام أن انطلق إليه،فجئته فإذا هو قد مات،فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات،فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات) أخي الكريم: هذه لقطات من حياة السلف تدل على ترجمة عملية لخلق الحب في الله.
خامسهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله
 قال ابن حجر- رحمه الله - : (والمراد بالمنصب :الأصل والشرف ،وفي رواية مالك: ( دعته ذات حسب ) وهو يطلق على الأصل وعلى المال أيضا،وقد وصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه، وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال،وقل من يجتمع ذلك فيها من النساء.والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره،وقال بعضهم: يحتمل أن تكون دعته إلى التزوج بها ،فخاف أن يشتغل عن العبادة بالإفتتان بها. أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها،والأول أظهر)وقوله: ( إني أخاف الله) الظاهر أنه يقول ذلك بلسانه إما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها.ويحتمل أن يقوله بقلبه.قال القرطبي: ( إنما يصدر ذلك عن شدة الخوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء)
قالوا: هذه نهاية المراقبة لله الحي القيوم، فهي امرأة وهو مشتهٍ لها، ليس عنده أهل، ثم إنها ذات منصب، ومعنى ذلك أنه لا يخاف، فإن ذات المنصب يمكن أن تخرج نفسها وتخرجه بخلاف غيرها، وهي لا تخاف من إقامة حدود، ولا تخاف أن يظهر عليها أحد، أو يحبسها قوم، فهي ذات منصب، ثم هي ذات جمال، فهي تدعو بجمالها، لأن بعض الناس قد يترك هذه الأمور لأن المرأة ليست جميلة. فقال: إني أخاف الله. فكان حقاً على الله أوجبه على نفسه أن يظل هذا وأصنافه وأضرابه في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وأولهم يوسف عليه السلام، يقول ابن القيم في مدارج السالكين : فأما يوسف عليه السلام، فإن الله بلغه تلك المنـزلة لأمور منها: أنه كان غريباً، والغريب لا يخاف من العار، ومنها: أنه كان أعزباً ليس عنده أهل، وهو أدعى إلى الفاحشة، أو أدعى إلى أن يتمتع، ومنها: أن المرأة هذه كانت ذات منصب، فإنها بإمكانها أن تخرجه وتخرج نفسها، ومنها: أنها ذات جمال، فهي امرأة ملك، فترك ذلك كله لله عز وجل، فكان سيد كل من دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين. وذكر صاحب حلية الأولياء وصفة الصفوة : أن مسلم بن يسار أحد الصالحين، كان من أجمل الناس وهو شاب، فخرج من المدينة إلى مكة ليعتمر، فلما كان في الطريق عرضت له فتاة من أجمل الفتيات، فدعته إلى نفسها فبكى كثيراً، فاجتمع عليه أصحابه فقالوا: مالك تبكي؟ قال: لأمر. فاستحلفوه فأخبرهم، فلما بدأ العمرة وطاف صلى ركعتين عند المقام ثم نام وهو جالس، فرأى يوسف عليه السلام كأنه يطوف، فقال مسلم بن يسار : من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هممت، وأنت مسلم بن يسار الذي لم يهم. هكذا أوردها أهل العلم، وكان من أعظم المراقبة لله عز وجل أن يأتي الإنسان إلى هذه الأمور فيتذكر عظمة الله فيكف نفسه. ولذلك يقول الأندلسي وهو يوصي ابنه:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة
 
والنفس داعية إلى الطغيان
  
فاستح من نظر الإله وقل لها
 
إن الذي خلق الظلام يراني
  
 
وقال الأول:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل   خلوت ولكن قل عَلَيَّ رقيب
فيا أخ الإسلام غض بصرك وحصن فرجك وليكن لك في نبي الله يوسف إسوة حسنة،وقف أمام هوى نفسك وشهوة فرجك كالطود الشامخ،واعلم أن أي شهوة تفنى لذتها وتبقى تبعتها :
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها      من الحرام ويبقى الـــــوزر والعار
تبقى عواقب ســـوء في مغبتها      لا خير في لذة من بعدها النـــار
أخي الكريم: تريد دخول الجنة،أترغب في الاستظلال تحت عرش الرحمن .اعلم أن من أسباب الوصول إلى ذلك حصن الفرج .عن عبادة بن الصامت أن رسول الله(ص) قال : ( اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة،اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم) هذا واعلم أن من ثمرات حصن الفرج أيضا : *مغفرة الذنوب: فعن ابن عمر(ض) قال: سمعت النبي rيحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات،ولكني سمعته أكثر من ذلك.سمعت رسول الله rيقول : ( كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله- يعني يميل إلى عصيان الله،وغشيان الفجور،ويحب الفسوق- فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها ،فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته،أرعدت - ارتعش جسمها وبرد- وبكت، فقال ما يبكيك أأكرهتك قالت: لا،ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته قط اذهبي فهي لك،وقال والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه:إن الله قد غفر للكفل ).*تفريج الكروب والنجاة من مصارع السوء: كما حدث للثلاثة أصحاب الغار. *ستر العورة : فعن ابن عمر(ض) قال :قال رسول اللهr: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم،وعفوا تعف نساؤكم) وللشافعي رحمه الله :
عفوا تعف نساؤكم في المحرم    وتجنبوا مــــــــا لا يليق بمسلــــــم
إن الــــــــــزنا دين فإن أقرضــــــته    كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
سادسهم رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه
 المقصود هنا المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمها لا تتصور أنها تعلم ما فعلت اليمين لشدة إخفائها.قال النووي رحمه الله: ( وفي هذا الحديث فضل صدقة السر،قال العلماء:وهذا في صدقة التطوع فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء،وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل)
وفي الصدقة والإنفاق في سبيل الله فوائد عظيمة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى،ومن هذه الفوائد ما يلي:
1-أنها تطهر الأموال والأبدان: قال تعالى:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).قال بعض السلف لولده:(يا بني،إذا أخطأت خطيئة فتصدق بصدقة،فإن الله يقول:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
2-أنها ترفع البلاء والأمراض عن صاحبها:ولذلك يقول النبي r :(داووا مرضاكم بالصدقة)يقول ابن القيم:(إن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء،ولو كانت من فاجر،أو ظالم أو كافر،فإن الله تعالى يدفع عنه أنواعا من البلاء،وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم،وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه)و يؤكد ذلك ما ذكره العلامة اليافعي في الترغيب والترهيب:(أن رجلا قصارا كان في زمن صالح النبي عليه السلام،وكان يفسد ثياب الناس،فجاء قوم صالح إليه،وقالوا:يا نبي الله ادع الله على هذا القصار،فإنه يفسد ثياب الناس،وخرج القصار برزمته،فدعا عليه صالح أن لا يرجع سالما،فلما كان المساء رجع القصار برزمته،فقال له صالح:حل رزمتك فحلها،فإذا بين الثياب ثعبان ملجم بلجام من حديد،قال له صالح:ما فعلت حين خرجت من بيتك اليوم؟قال:يا نبي الله،أخذت معي رغيفين من بيتي،فتصدقت بأحدهما،وأكلت الآخر،قال:صدقت،رفع الله عنك شر هذا الثعبان،وألجمه عنك ببركة الصدقة،اذهب وتب إلى الله،فتاب القصار من إفساد الثياب)وذكر أن امرأة كان لها ولد اسمه زيد،فخرج في تجارة البحر،فتصدقت أمه عنه بدرهم في غيبته،وهاجت الريح في ذلك اليوم على أهل المركب فسمعوا قائلا يقول:لا تخافوا فالفداء مقبول وزيد مغاث.
3-والصدقة تقي صاحبها مصارع السوء:وذلك ثابت بنص حديث رسول الله r الذي رواه عنه أنس بن مالك t يقول فيه:(صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات،وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة)قال المناوي في فيض القدير:هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله،قال علي بن أبي طالب t :(لا يزهدك في المعروف كفر من كفر،فقد يشكره الشاكر أضعاف جحود الكافر)وقال الماوردي:(فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يجعله حذرا من فوته،ويبادر به خيفة عجزه،ويعتقد أنه من فرص زمانه،وغنائم إمكانه)وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها،فليكن على ثقة من فوتها.
إِذا هَـــبَّت رِياحُكَ فَـــاِغتَنِمها    فَعُقبى كُـــــــلُّ خافِقَةٍ سُكون
وَلا تَغفَل عَنِ الإِحسانِ فيهــا     فَما تَدري السُكونُ مَتى يَكونُ
وَإِن دَرَّت نِيــــــاقُكَ فَاِحتَلِبها     فَما تَدري الفَصيلُ لِــــمَن يَكونُ
إِذا ظَفِرَت يَداكَ فَلا تَقصِّر      فَــــــــــــــــإِنَّ الدَهرَ عادَتَهُ يَخونُ
4-و الصدقة في السر تطفئ غضب الرب:فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r قال:(صنائع المعروف تقي مصارع السوء والصدقة خفية تطفئ غضب الرب وصلة الرحم زيادة في العمر)
فـــــــــــما أحسن الدنيا وإقبالها   إذا أطــــــــــاع الله من نالها
مـــــن لم يواس الناس من ماله  عـــــــــــرض للإدبار  إقبالها
فاحذر زوال الفضل يا ماسكا   وواس من دنياك من سألها
فـــــــــإن مولاك جزيل العطا   يعطيك بالــــــحبة أمثالها
 5-أن الصدقة تقي العبد حر النار يوم القيامة:يقول النبي r :(كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس)ويقول علي بن أبي طالب t :(بينما الناس في كرب القيامة وحرها، إذ بظلال على رءوس الناس دون أناس،فيقول أصحاب الظلال:إلهنا،ما هذا الفضل الذي منحتنا؟فيقال لهم:هذه ظل صدقاتكم)فيا أخي المسلم:
تـمتع بـمـالـــــك قبل الممات  وإلا فــــلا مـــــال إن أنـــت مــــتا
شــقـيـــت بـه ثـــم خــــــــلفته   لغيرك بعدا وســـــحقا ومقتا
فــــــجادوا عليك بزور البكا  وجدت عليهم بما قد جمعـــتا
و أوهبتهم كل ما في يديك  وخلوك رهينا بما قد كسبتا
قال t :(يقوا ابن آدم:مالي مالي،وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت،أو لبست فأبليت،أو تصدقت فأمضيت).
6-الصدقة تطفئ الخطيئة: فعن معاذ بن جبل t قال: كنت رديف النبي r في سفر فذكر الحديث...إلى أن قال فيه:(ألا أدلك على أبواب الخير؟قلت:بلى يا رسول الله.قال:الصوم جنة،والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)يقول السمرقندي في تنبيه الغافلين:(عليك بالصدقة بما قل أو كثر،فإن في الصدقة عشر خصال محمودة،خمس في الدنيا وخمس في الآخرة،فأما الخمس التي في الدنيا:
فأولها: أن فيها تطهيرا للمال:كما قال النبيr :(ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب،فشوبوه بالصدقة).
والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب.
والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض.
والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين،وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.
والخامس:أن فيها بركة في المال،وسعة في الرزق.
وأما الخمس التي في الآخرة:
فأولها:أن تكون الصدقة ظلا لصاحبها في شدة الحر.
والثاني: أنها تثقل الميزان.
والثالث: الجواز على الصراط.
والرابع: زيادة الدرجات في الجنة.
والخامس: خفة الحساب.
هذا وقد ورد في فضل صدقة السر آيات وأحاديث كثيرة، لذا حرص الصالحون على إخفاء صدقاتهم قدر إمكانهم .قال الإمام الغزالي: ( قد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي ،فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى،وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه،حيث يراه ولا يراه المعطي،وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم.وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي،وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب واحترازا من الرياء والسمعة).
سابعهم رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه
 أي ذكر الله بقلبه بالتذكر وبلسانه بالذكر خاليا من الإلتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ .قوله: (ففاضت عيناه ) أي فاضت الدموع من عينيه، وإسناد الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت.قال القرطبي: ( وفيض العين بحسب حال الذاكر،وبحسب ما يكشف له،ففي حال أوصاف الجلال :يكون البكاء من خشية الله،وفي حال أوصاف الجمال: يكون البكاء من الشوق إليه) هذا وقد ورد في فضل البكاء من خشية الله تعالى آيات وأحاديث وآثار تخرج عن دائرة الحصر.فمن الآيات قوله تعالى: ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا...خشوعا) قال أبو محمد التيمي : ( من أوتي من العلم مالم يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما،لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: ( ويخرون للأذقان يبكون...خشوعا) ) ومن الأحاديث : * عن ابن عباس(ض) قال: قال رسول اللهr: ( عينان لا تمسهما النار :عين بكت في جوف الليل من خشية الله،وعين باتت تحرس سرية في سبيل الله) .* وعن أبي هريرة(ض) قال : قال رسول اللهr: ( لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع،ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبدا) ومن الآثار : قال عبد الله بن عمرو (ض) : ( لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار) وقال الحسن رحمه الله: ( بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة على الأرض حتى تعتق رقبته من النار،ولو أن باكيا بكى في ملأ من الملأ لرحموا جميعا ببكائه وليس شيئا إلا له وزن إلا البكاء فإنه لا يوزن ) وقال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله : ( من مثلك يا ابن آدم،خلي بينك وبين المحراب ،تدخل منه إذا شئت وتناجي ربك،ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان،إنما طيب المؤمنين :الماء المالح،وهذه الدموع فأين من يتطيبون به ) يا رب :
يا من خلقت الدمع لطفا
 
منك بالباكي الحزين
  
بارك لعبدك في الدموع
 
فإنها نعم المعين
  
 
ولا تظن أن هذا الحديث يخص الرجال وحدهم، بل يشترك النساء معهم،إلا فيما يختص بالإمامة العظمى وملازمة المسجد.قال ابن حجر : ( ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له، بل يشترك النساء معهم فيما ذكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى،وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذا عيال فتعدل فيهم،وتخرج خصلة ملازمة المسجد ،لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد ،وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا فامتنعت خوفا من الله تعالى مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلا فخشي أن يرتكب منه الفاحشة فامتنع مع حاجته إليه )
                                                 كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه العربي مناد
يوم : الأحد29ديسمبر 2013 م الموافق لـ : 24صفر 1435 هـ .
                                       بسعيدة

18-02-2014 07:23 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
العيد 8
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 23-12-2013
رقم العضوية : 644
المشاركات : 9
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 25
الدولة : دولة أخرى
 offline 
look/images/icons/i1.gif شرح حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يو لا ظل إلا ظله
السلام عليكم

شكرا لك أخي العربي على تطرقك لهذا الحديث ولهذا الموضوع

بالفعل يشكل على المسلم عند قراءته للحديث في قضية الظل هل منسوب إلى الرحمن أم إلى العرش لكن أيا كان فهو يدل على

 تكريم وتشريف رب العزة لهؤلاء السبعة الذين نسأل الله جل جلاله أن يجعلنا منهم

فبارك الله فيك على هذه الفائدة


تم تحرير المشاركة بواسطة :العيد 8
بتاريخ:18-02-2014 07:24 مساء





الكلمات الدلالية
شرح ، حديث ، السبعة ، الذين ، يظلهم ، الله ، في ، ظله ، يو ، لا ، ظل ، إلا ، ظله ،


 







الساعة الآن 09:03 مساء