أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





صناعة الذات وتجارب الحياة

صناعـة الــذات وتجــارب الحيــاة صناعة الذات: هي الفكرة التي تحدونا نحو هدف نسعى إليه بعزيمتنا، و نعرف أننا حقّقنا نجاحن ..



09-06-2012 01:27 صباحا
بسدات الطيب
rating
الأوسمة:1
وسام التواصل
وسام التواصل
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-04-2011
رقم العضوية : 4
المشاركات : 140
الجنس : ذكر
تاريخ الميلاد : 1-5-1965
الدعوات : 3
قوة السمعة : 564
 offline 
صناعـة الــذات وتجــارب الحيــاة

صناعة الذات: هي الفكرة التي تحدونا نحو هدف نسعى إليه بعزيمتنا، و نعرف أننا حقّقنا نجاحنا إذا استطعنا أن نصل إلى ما نريد .. إلى ذلك الهدف .. إلى ذلك النجاح .. هل أنتَ ناجح ؟ هل أنتِ ناجِحة ؟ هل نحن ناجحون في حياتنا ؟ دَعوني انطلق معكم في قصة ربما ترغبون سماعها .. ربما تريدون أن تسافروا معي إلى أحداثها، لنأخذ منها العبرة. [/font]
[font=Arial]القصة الأولى:

قصة طموح، قصة نجاح، تلك القصة كانت شرارة انفجار لثورة من التقدم و الرّقي و الحضارة في اليابان تلك القصة هي قصة شاب اسمه " تاكيو اوساهيرا " ذلك الشاب خرج من اليابان مسافراً مع بعثةٍ تحوي مجموعة من أصحابه و أقرانه متجهين إلى ألمانيا، وصل إلى هذه الأخيرة و وصل معه الحلم الذي كان يصبو إليه، و يراه بعينيه ذلك الحلم هو أن ينجح في صناعة محرك يكون أول محرك كامل الصّنع يحمل شعار صُنع في اليابان، ذلك حلمه، بدأ يدرس و يدرس بجد أكثر و عزيمة أكثر مضت السنوات سراعاً كان أساتذته الألمان يوحون إليه بأن نجاحك الحقيقي هو من خلال حصولك على شهادة الدكتوراه في هندسة الميكانيكا، كان يقاوم تلك الفكرة و يعرف أن نجاحه الحقيقي هو أن يتمكن من صناعة محرك، بعد أن أنهى دراسته وجد نفسه عاجزاً عن معرفة ذلك اللغز ينظر إلى المحرك و لازال يراه أمراً مذهلاً في صنعه غامضاً في تركيبه لا يستطيع أن يفكِّك رموزه.
جاءت الفكرة مرة أخرى ليحلق من خلالها في خياله و ليمضي من خلال خياله نحو عزيمة تملكته و شعور أسره، تلك الفكرة:(( لابد الآن أن أتَّخذ خطوة جادة من خلالها أكتشف كيف يمكن أن أصنع المحرك)).
إخواني الكرام، أخواتي الكريمات : صدقوني النجاح الذي نحصل عليه ينطلق من خلال فكرة نصنعها نحن و نمضي نحن في تحقيقها، تلك الفكرة مضى ذلك الشاب ليحققها، فحضر معرض لبيع المحركات الإيطالية، اشترى محرك بكل ما يملك من نقوده، أخذ المحرك إلى غرفته، بدأ يفكك قطع المحرك قطعةً قطعة، بدأ يرسم كل قطعة يفكِّكها و يحاول أن يفهم لماذا وُضعت في هذا المكان وليس في غيره، بعد ما انتهى من تفكيك المحرك قطعة قطعة، بدأ بتجميعه مرة أخرى، استغرقت العملية ثلاثة أيام، ثلاثة أيام من العمل المتواصل لم يكن ينام خلالها أكثر من ثلاث ساعات يومياً كان يعمل بجدٍّ و دأب، في اليوم الثالث استطاع أن يعيد تركيب المحرك وأن يعيد تشغيله مرة أخرى، فرح كثيراً ، أخذ المحرك، ذهب يقفز فرحاً نحو أستاذه، نحو مسئول البعثة ورئيسها:استطعت أن أعيد تشغيل المحرك ،بعدما أعدت تجميع القطع قطعة قطعة، تنفس الصعداء، شعر بالراحة: الآن نجحتُ ،لكن الأستاذ أشار إليه : مازال مازال ما نجحت، النجاح الحقيقي هو أن تأخذ هذا المحرك، و أعطاه محرك آخر:هذا المحرك لا يعمل، إذا استطعت أن تعيد إصلاح هذا المحرك فقد استطعت أن تفهم اللغز، تجربة جديدة، أخذ المحرك الجديد، حمله و كأنه يحتضن أعزّ شيء إليه، إنه يحتضن الحلم، إنه يحتضن الهدف، وراح يمضي بعزيمة، دخل إلى غرفته، بدأ يفكك المحرك من جديد، و بنفس الطريقة، قطعة قطعة، بدأ يعمل على إعادة تجميع ذلك المحرك، اكتشف الخلل، قطعة من قطع المحرك تحتاج إلى إعادة صهر و تكوين من جديد، فكر أنه إذا أراد أن يتعلم صناعة المحركات فلا بد أن يدرس كعاملٍ بسيط، كيف يمكن لنا أن نقوم بعملية صهر و تكوين و تصنيع القطع الصغيرة حتى نستطيع من خلالها أن نصنع المحرك الكبير.
عمل سريعاً على تجميع باقي القطع بعد أن اكتشف الخلل و استطاع أن يصلح القطعة، ركب المحرك من جديد، بعد عشرة أيام من العمل المتواصل، عشرة أيام من الجد و العزيمة، لم ينم خلالها إلا القليل القليل من الساعات، في اليوم العاشر، طربت أذنه بسماع صوت المحرك و هو يعمل من جديد، حمل المحرك سريعاً و ذهب إلى رئيس البعثة: الآن نجحت، الآن سألبس بدلة العامل البسيط و أتّجه لكي أتعلم في مصانع صهر المعادن، كيف يمكن لنا أن نصنع القطع الصغيرة، هذا هو الحلم، وتلك هي العزيمة، بعدما نجح رجع ذلك الشاب إلى اليابان، تلقّى مباشرة رسالة من إمبراطور اليابان، وكانوا ينظرون إليه بتقديس و تقدير، رسالة من إمبراطور اليابان ! ماذا يريد فيها ؟: أريد لقاءك و مقابلتك شخصياً على جهدك الرائع و شكرك على ما قمت به. رد على الرسالة: لا زلت حتى الآن لا أستحق أن أحظى بكل ذلك التقدير وأن أحظى بكل ذلك الشرف، حتى الآن أنا لم أنجح، بعد تلك الرسالة، بدأ يعمل في اليابان من جديد،عمل تسع سنوات أخرى بالإضافة إلى تسع سنوات ماضية قضاها في ألمانيا، كم المجموع ؟ أمضى تسع سنوات جديدة من العمل المتواصل استطاع بعدها أن يحمل عشرة محركات صُنعت في اليابان، حملها إلى قصر الإمبراطور الياباني، وقال : الآن نجحت، عندما استمع إليها الإمبراطور الياباني وهي تعمل تَهلّل وجهه فرحاً، هذه أجمل معزوفة سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية الصّنع مئة بالمئة، الآن نجح " تاكيو اوساهيرا "، الآن استطاع أن يصنع ذاته عندما حَوّل الفكرة التي حلّقت في خياله من خلال عزيمته إلى هدف يراه بعينيه و يخطو إليه يوماً بعد يوم، عندما وصل إلى ذلك الهدف استطاع أن ينجح، في ذلك اليوم صنع ذاته، صناعة الذات انطلقت من ذلك الشاب ليتبنّاها كلّ عامل ياباني يرفع شعار:" إذا كان الناس يعملون ثمان ساعات في اليوم سأعمل تسع ساعات : ثمان ساعات لنفسي ولأولادي والساعة التاسعة من أجل اليابان "، تلك المعنويات جعلتنا نقول: العالم يلهو واليابان يعمل، جعلتنا نفتخر بملبوساتنا و بمقتنياتنا لأنها صُنعت في اليابان.
وجعلتنا نقول في قرارة أنفسنا ماذا قدمنا للجزائر؟ قبل أن نقول ماذا قدمت لنا الجزائر؟.
كلام رائع، كلام جميل، أعرف ما يدور في أذهانكم، أين الفرصة ؟ أين الظّروف المواتية ؟
أنت تتكلم عن ظروف مُهيأة ! صناعة الذات اذهب و اعمل على إلقائها في مكان آخر، أنا أمامي الكثير من العقبات، أمامي الكثير من الحواجز، و أنت تحدّثني عن الفكرة والطّموح والعزيمة والأهداف. حَدِّثني عن المشاكل التي تُحيطُ بي أولاً ، أليسَ كذلك ؟ ربّما تدور هذه الفكرة في عقول بعضنا الآن.
القصة الثانية:
دعوني أحدّثُكم عن واقع آخر وعن تجربة أخرى، هي أكثر تألّقاً وأكثر طُموحاً، تجربة بدأت وانطلقت من رَصيف في بيروت عاصمة لبنان، ذلك الرصيف كان ينام عليه شابٌ صغير، من أين أتى ذلك الشاب إلى هذا الرصيف؟ أتى من بيت عمه الظّالم ،عمه القاسي بعد أن تُوفيت أمه و تُوفي أبوه ولم يَعد له أحد غير ذلك العم ، الذي قال له يوماً وبصراحة: لقد أَثقلتَني و لم أعد قادراً على تَحمُّل مصاريفك، اذهب إلى الشارع ، خرج الطفل الصغير نحو الطريق الواسع، راحت خُطواته تتبعثر حائرة: إلى أين أذهب؟ وأجد المكان المناسب، رصيف ممتد ! فوق الرصيف إنارة صفراء ! وبجواره صندوق كبير للمهملات و النفايات ! موقع رائع ! الرّصيف هو المأوى والنور هي مصدر الأُنس و صندوق النفايات هو مصدر الطعام، كانت تلك هي المواصفات، تلك هي البيئة بدأ الشاب ينام فوق الرصيف وتحت الإنارة ويأكل بقايا الطعام التي كان يجدها ملفوفة في بعض الصُّحف المرميَّة، بعدما يأكل كان يتصفّح الصحيفة و بالكاد كان ينظُر إلى الصور التي يختفي أجزاء منها نتيجة بُقع الزّيت العالقة كان يقرأ بالكاد بعض الأسطر والكلمات.
انقَدحت في ذِهنه فكرة، حلَّقت في ذهِنه فكرة، بينما كان يُقلِّب عينيه في صحيفة ممتلئة ببقايا الطعام، فكّر لماذا لا أَكون صحفياً ؟ لماذا لا أكون كاتباً ؟ لماذا لا أكتب وأنا صاحب تجربة كبيرة ؟ كم من الناس نام فوق الرّصيف بجوار صندوق النِّفايات وتحت الإنارة الصفراء ؟ أنا ! تلك ميزة، أنا متميز! لا بد أن أَتعلّم حتى أكون صحفيا وحتى أَتعلم لابُدَّ أن أعمل.
أشرق الصباح وأشرق الطُّموح في نفسه، انطلق صاحبنا يبحث في العاصمة عن مُؤسسات صحفية تفتح له ذِراعها حتى يعمل فيها أيّ شيء. بحث وبحث، بحث حتى كَاد أن يَيأس لكنه أَخيراً وجد الفُرصة، وظيفة مُناسِبة، وظيفة يعمل فيها بالمساء حتى يدرس صباحاً تِلك الوظيفة عامل بسيط يمسح الطّاولات، طاولات الموظفين، والمكائن، مكائن الطباعة، وظيفة مُناسِبة على الأقل تَضمن له أن يقرأ كل يوم صحيفة نفس اليوم بدون أي بُقع و بدون أي زيت يلطِّخ الصور وأسطر المقالات بدأ يعمل، كان يعمل بعزيمة، كان يعمل على تنظيف الطاولات وكأنه رئيس تحرير تلك المؤسسة، لأنه يعمل و يرى بعينيه الطموح و الهدف الذي يسعى إليه.
كان يعود إلى ذلك المكان و ينطلق بكتابة مُذكراته و خواطره و يكتب ويكتب صنعت منه التجربة كاتب يفجر المعاني من خلال كلمات مُتألقة في يوم من الأيام كان يحمل الدفتر ويمشي ببراءة الشاب الصغير يمشي بخطى سريعة في أحد أسياب تلك المؤسسة و أحد ممراتها ، فجأة ارتطم برجل يظهر عليه الكِبر في السن: أنا آسف، ذلك الرجل كان مُؤدباً و كان من أدبه أنه التَفت إلى الدفتر الذي وقع على الأرض من يد ذلك الشاب عندما وقع الإرتطام و وقع الحادث عندما اصطدم ،نزل ذلك الرجل و أخذ الدفتر واعتذر من الشاب الصغير وقدم الدفتر له ثم تَساءَل: هل تعمل في هذه المؤسسة ؟ قال:أنا أعمل منذ أشهر، أوه ما شاء الله تعمل عندنا، أنا رئيس تحرير هذه الجريدة، ما هذا الدفترالذي في يَدك ؟ هذه خَواطِري أكتُب فيها وو ... ( الآن جاءت الفرصة ): هذه خواطري أكتب و أنظر لعلّك تقرأ بعض الصّفحات، قال : تفضّل معي في مكتبي حتى أقرأ خواطرك، ذهب معه إلى المكتب، بدأ يقرأ الخواطر، فإذا بها تنطِق عن تجربة و تنطِق بمعاناة و تَتحدث عن مأساة و لذلك كانت صادقة، أعجب بهذه الموهبة الواعِدة، ووعده أن يدعمه حتى يستمر في التطوير ونشر له مقال في تلك الجريدة فكانت أول انطلاقة، كان ينظر للمقال فلا يرى فيه مقالاً من عِدة أسطر و إنما يرى فيه الحلم، يرى فيه الطموح، يرى فيه الهدف، استمر ذلك الشاب ... لن أسرد عليكم باقي القصة بأكملها، القصة طويلة لكني أريد أن أقول لكم أن ذلك الشاب استطاع أن يكون رئيس تحرير تلك الجريدة ثم استطاع أن يمتلك تلك الجريدة ثم استطاع أن يمتلك أكبر مؤسسة صحفية في لبنان، استطاع أن يصنع ذاته، من أين بدأ رحلته مع صناعة الذات؟ بدأ بفكرة، تلك الفكرة التي انعكست من خلال ميزة رآها في نفسه تلك الميزة كانت كَفيلة بأن تجني عليه وأن تقضي عليه، تلك الميزة هو أنه شاب صغير يتسكّع في الطّريق بلا عائل و بلا مأوى . تلك ميزة ؟ أم سلبِيّة ؟ تلك إيجابية ؟ أم مصيبة ؟ لو نظر لها على أنها سلبية لكانت قادرة على أن تُحطم حياته لكنّه نظر إليها على أنّها ميزة يمتاز بها و فكر كيف يستطيع أن ينطلق من خلالها حتى يستطيع أن يأسر قلوب الناس عندما يكون صحفي يتكلم عن معاناته، أنا أسألكم سؤال، إخواني أخواتي الكريمات، أسألُكن سؤالاً : كُلٌّ منا يسأل نفسه، ما هي مميزاتي، ما هي الأشياء التي أَمتازُ بها. هل عندكَ مميزات، هل عندكِ مميزات، من خلال تلك الميزات هل نستطيع أن نكون أفضل ؟ هل نستطيع أن نوظِّفها حتى نصنع ذواتنا؟ حتى نُحقِّق نجاحنا؟ هل نظر الواحد مِنا مرة إلى المرآة؟
بالتَّأكيد، تذكر آخر مرة نظرت فيها إلى المرآة، تذكري أختي الكريمة آخر مرة نظرت فيها إلى المرآة ، ماذا وجدتم ؟ ماذا رأينا في المرآة ؟ وجدت نفسك بالتأكيد ! عندما وجدت نفسك، ما ذا وجدت فيها ؟ ماذا رأيت في نفسك من ميزات؟ هل جلسنا لنفكر، ما هي الأشياء الحقيقية التي نمتلكها، ومن خلالها نستطيع أن نكون أفضل؟.
القصة الثالثة:
اتصلت بي إحدى الأخوات، لا أعرفها، سألتني سؤالاً كان يحكي المعاناة، ويحكي التجربة المريرة، و يحكي الّلوعة التي تجدها في نفسها، كان ختام سؤالها: أُريد أن أنتحر اليوم ! ما هو رأيك ؟ ما هي قِصتها التي جعلتها تُفكر بأن تنتحر؟ تقول: عندما كنتُ صغيرة، في سن العاشرة أوالتاسعة من عمري، احترق المطبخ، و كنت في داخله، فاحترق جسمي، واحترق وجهي، واحترقَت أرجلي ويدي،وأُصيبت بتشويه بالغ جداً جداً ، وبالرغم من كُل عمليات التجميل إلا أنها استمرت مُشوَّهة إلى درجة تُعبر عنها بأنها درجة مُقزّزة لمن ينظر إليها، تقول : ومع ذلك ، حاولت أن أصبر، حاولتُ أن أتكيّف مع الحياة، أكملت دراستي، أنهيت دراستي المتوسطة ثم الثانوية، دخلتُ الجامعة، كنت أنظر لنظرات الأخريات إليّ فأجد اللوعة تعتصِرُني، كانوا ينظُرون إليّ برحمة، لكني كُنت أحترق من داخلي من تلك الرحمة التي أراها في قسمات وجوههم، لا أُريد أحد أن يرحمني، لا أريد أحد أن يُشفق علي، لا أريد أحد أن ينظر إليّ لا أريد أحد أن يتعاطف معي، كانت تلك المشاعر تخنُقني و بالرغم من ذلك أكملت دراستي الجامعية، و أنا الآن وصلتُ إلى الصفر لا أستطيع أن أواصل، عندما أنهت حديثها، قلتُ لها: أختي الكريمة، هل تسمحي لي أن أتحدث إليك بميزة رائعة اكتشفتُها فيك، خلال هذه الدّقائق التي تحدثتِ معي من خِلالها اكتشفت فيكِ ميزة رائعة، أريدُكِ أن تكتشفيها في نفسك، و إذا اكتشفتيها في نفسك، حرام عليك أن تهدري هذه النّفس الرائعة التي تمتلك تلك الميزة الفذّة، تساءَلَت : أنا عندي ميزة، كيفَ عرفت ؟ وما هي هذه الميزة ؟ أنا أمتلك شيء جيد، ما هو ذلك الشيء الجيد ؟ كانت تتساءل بذُهول، بِحَيْرة ، قلت لها : أُختي الكريمة : أَنت تمتلكين إِرادة، أَنت تَمتلكِين عَزيمة، أنت تمتلكين صبر لا يُذكِّرني إلا بقول ذلك الشاعر الذي كان يقول:

صابرَ الصبرَ الصبورُ حتى قال الصبرُ للصبور دعني

ومعناه أن هذا واحد صبور، جاء الصبر يتحداه، الصبر يتحدى الصبور يقول له : أنا أتحداك أن تصبر أكثر مني، و بدؤوا في المنافسة حتى قال الصبر ارحمني، أنا لا استطيع أن أنافسك .
والله أنتِ تمتلكين إِرادة أكثر من طبيعية، بدأت نفسها تَتفتّق أملاً ، بدأ الطُّموح يُشقّق بيضة اليأس لِيُخرج رأسه و ينظر إلى الحياة المشرقة التي يمكن لها أن تنطلق إليها إذا ما اقتنت تلك الفكرة و حملتها معها.
وماذا أستطيع أن افعل من خلال تلك الميزة ! تستطيعين أن تفعلي الكثير، تستطيعين أن تكوني أكثر من عادية في خِدمتك للأُمة و للمجتمع و للناس لأنَّك أكثر من عادية من خلال هذه العزيمة و الإرادة القوية، أنا أعرف الكثير من الناس لو امتلكوا خَمسة بالمئة من تلك العزيمة لنقلوا الجبال من أماكنها، تَشجَّعت، تَحَمّست، انطلقت ...
جاءتْني الأخبار بأنّها الآن وفي هذا اليوم الذي أُحدِّثكم فيه تدير أكبر و أنشط و أوسع مدرسة لتحفيظ القرآن، تخدم النساء في مدينتها، وفي منطِقتها التي تسكن فيها.
إذا نَظرنا إلى النُّقطة المظلمة فلن نُشاهد المساحة البيضاء من حولنا، إذا نظرنا إلى نُقطة الضعف فلن نَنظر إلى مزايانا التي نجدها و نحصل عليها بمجرّد أن نراها، هل نعرف ما هي مُميِّزاتنا ؟ هل نعرف ما هي الأشياء التي يمكن من خلالها أن نُحقِّق نجاحاتنا كُلكم تريدون أن تعرفوها و أهم من أن نعرف مُميزاتنا، هو أن نُفكِّر كيف يُمكن لنا أن نُحوِّلها إلى نجاح ؟ و أن نُحوِّلها إلى خطوات نصل من خلالها إلى ما نريد.
القصة الرابعة:
كان لي صديق يمتلك ابتسامةً أجمل إشراقاً من البدر المُتلألئ في ليلةِ الخامس عشر من الشهر ابتِسامتُه كانت أخّاذَة ، قلت له مرةً : أنت تمتلك ميزة رائعة، ابتِسامتك الفذّة، ابتِسامَتك المُنْسابة على قَسمات وجهك والتي تسحر الأنْظار التي ترنو إليك تجعل منك بارعاً في الإتّصال بالآخرين و في تكوين العلاقات معهم، كان صاحبي موظف بسيط في أحد الشركات الكبيرة، ترنّحَت في عقله تلك الفكرة، قَلّبها أكثر، رَاجعها، درسها، اتّصلَ بي: أنت تقول أن هذه الإبتسامة مِيزة، ومن خلالها أستطيع أن أكون رجل علاقات عامة ناجح، صح، ما رأيك بأن أضع نصب عيني هذا الهدف أريد أن أكون مدير علاقات عامة في شركتنا العملاقة و الضخمة، ممتاز ماذا ينبغي علي أن أعمل ؟ أضف إلى ابتسامتك مهارات في الإتصال، أضف إلى ابتسامتك مهارات تحتاجها في العلاقات العامة و ضع على رأسها ابتسامتك لكي تُتَوِّجها، عند ذلك تنجح، لم يكن المشوار طويلاً ، سنة ونصف ، قفز قفزة، كان صاحبي يتقَاضى راتبا أقل، صاحبي اليوم يَتقاضى راتبا عاليا جدا، الطموح انطلق من خيال، بدأ من فكرة، انتهت الرحلة بالهدف الذي نريده و ليتنا نستمر مُحلِّقين في تلك الأفكار.
لكن تعال بنا يا مُحدِّثنا إلى الواقع، الكثير من الظروف، البيئة، المجتمع، الناس من حولنا، أحد الذين يديرون في رأسهم تلك الفكرة يذكرني بصديق لي صاحب الحظِّ العاثر، واستأذَنتُه بأن أتحدث عن اسمه و عن تجربته في أيّ لقاء ألتقي من خلاله أحبة لي أمثالكم أيها الكرام، أحمد ماهر صاحب الحظ العاثر عندما كان يدرس في المرحلة الثانوية كان بليداً متأخراً في دراسته، ماهي المشكلة يا أحمد ؟ الأساتذة لا يُحسنون الشرح ! و الله غالطين ! أحمد ماهر بخطىً متثاقلة تجاوز الثانوية ودخل إلى الجامعة، بعد أول ست أشهر من الجامعة عمل على التحول من القسم الذي يدرس فيه، لماذا يا أحمد ؟ عندي دكتور لا يفهم ! المشكلة أن التخصص الجديد الذي انتقل إليه للأسف وجد فيه دكتور آخر لا يفهم ! ترك الجامعة ! أحمد ماهر بحث عن وظيفة، أحمد ماهر وجد وظيفة، وبعد شهرين، طُرد من وظيفته، لماذا يا أحمد: مُديري مُتسلِّط، مديري لا يريد مصلحة العمل، مديري لا يفهمني، أحمد ماهر تزوج، مبروك يا أحمد، وبعد ست أشهر طلق زوجته، لماذا يا أحمد، زوجتي لا تفهم، أسألكم سؤال، أسألكنّ سؤال : من الذي لا يفهم ؟ أحمد ماهر صاحب الحظ العاثر لا يفهم لأنه يلقي بالمسؤولية على عاتق أي أحد، كثير منا في رحلته لصناعة الذات أول ما يجد كبوة أو عقبة يلتفت حوله: من المسئول ؟ من المسئول ؟ من المسئول ؟ كان الأحرى به أن يفكر كيف يمكن لي أن أعالج هذه المشكلة بنفسي كيف يمكن لي أن أتحمل المسؤولية و أن أفكر في الحل.
القصة الخامسة:
دعوني أحدثكم عن قصة إذا تحدثت عنها وقفتُ إجلالاً لبطلة تلك القصة، بطلة تلك القصة أراها دائماً كلما رأيتها ضربت لها تحية إجلالاً واحتراماً و تقديراً، بطلة تلك القصة أعرفها تماماً وكل واحد منكم في هذه القاعة يعرفها تماماً ،أنا رأيتها وكلٌ منكم سبق وأن رآها ، تلك البطلة نراها في بعض المرات تمشي على الجدار تتسلق بعزيمة و بطموح و بقوة وبأمل ترى هدفها بعيداً ، قريباً من السقف ربما يكون هدفها نقطة أو حبة سكر وربما يكون هدفها شيئاً حلواً يسيل على طرف الجدار وربما يكون هدفها أن تعود إلى مسكنها في ثقب أحد علب الكهرباء في الجدار وهي تحمل على كتفها حبة أرز حملتها مشواراً طويلاً تصعد إلى لجدار فيأتي أحد العابثين يضربها بيده فتسقط على الأرض ومع ذلك تقوم بسرعة و بنشاط و بطاقة عالية تحمل حبة الأرز و تعود لتصعد من جديد لأنها هي المسئولة عن الوصول و ليس الذي ضربها تلك البطلة المحترمة هي النملة من منكم سبق له و أن وطأ نملةً بقدمه، حرام عليكم، النملة إذا سقطت على الأرض تعرف أنها هي المسئولة عن النجاح الذي تريد أن تحققه و لو استجابت لك وأنت تلاحقها بأطراف أصابعك أو لو استجابت لكي و أنتِ تلاحقينها بأطراف أصابع المكنسة لما حققت هدفها يوماً من الأيام. تلك النملة علّمتنا كيف نتحمل المسؤولية و علّمتنا كيف يكون الذي يتحمل المسؤولية محترماً مقدراً لدرجة أنه يذكر في القرآن، كلّنا قرأنا قوله سبحانه و تعالى ((حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )) هل قرأتم تلك الآية ما هي قصتها .. سليمان عليه السلام يسير وخلفه الجيش الكبير، يسيرون سراعاً أمامهم من بعيد مجموعة من النمل يسعون في طلب الرزق حول بيتهم، النمل ينظر مذهولاً للجيش القادم من بعيد، من بين النمل الذي أطال النظر للخطر القادم نملة واحدة كانت مبادرة. راحت تصرخ : أيها النمل ادخلوا مساكنكم، راحت تحذرهم، تلك النملة هل كانت مديرة النمل؟، هل كانت قائدة النمل ؟ ربما كانت الشغالة و ربما كانت السائق الله أعلم، لكنها هي التي ذكرت في القرآن لأنها هي التي تحملت المسؤولية وهي التي راحت تصرخ محذرةً النمل: اهربوا، عودوا إلى مساكنكم احذروا من الخطر القادم الداهم ، تلك النملة كانت حَريةً بأن نحترمها و أن نقدّرها هل سبق لأحدِنا أن كان ماراً في الطريق و شاهد زجاجةً منكسرة على الأرض فتركها وقال هذا شغل البلدية، لو كان ذلك الشخص يمتلك مبادرة النملة لجمع الزجاج و قال ليست المسؤولية مسؤولية البلدية و إنما نحن جميعاً نتحمل المسؤولية، تلك المسؤولية على الأقل من باب إماطة الأذى عن الطريق (أضعف الإيمان)، الذي يتحمل المسؤولية سيجد مئة مبرر لكي يحملها و أول تلك المبررات هو أن السبيل الوحيد نحو النجاح هو تحمل المسؤولية، بإمكاننا أن نبقى طويلاً داخل خيمة الفشل و نرمي على عاتق الآخرين كل ما يُصيبنا و كل ما يُعيقنا وكل ما يقف في طريقنا، و بإمكاننا أن نفكر كيف يمكننا أن ننطلق برغم الظُّروف التي نحن فيها، كيف يمكننا أن نكون أفضل برغم ما نحن عليه الآن ؟ شيءٌ واحد هو الذي يجعلك تندفع نحو إيجاد الحل لأي مشكلة تواجهك في طريق رحلتك لصناعة ذاتك ، ذلك الشيء هو أن تفكر بأن هناك العديد من الحلول هناك العديد من الأشياء التي يمكنك أن تصل إليها بمجرد أن تراها،
كثيرٌ منا عندما يجلس، يرخي آذانه إلى حديث الناس، ثمانين بالمئة من أحاديثنا تدور في دائرة المشكلات، في دائرة الهموم، في دائرة الأشياء التي لا نستطيع أن نغيِّر فيها شيئاً، لو استطعنا أن نجعل هذه النسبة(أي ثمانين بالمئة) من حديثنا عن الأشياء التي نستطيع أن نغيِّر فيها، عن الأشياء التي نستطيع أن نقوم بها، فكّر دائماً ، فكّري دائماً ، كل ما نقع في مشكلة ينبغي أن نُفكّر، إذا أردتُ أن أصنع ذاتي ماذا أستطيع أن أفعل أنا حتى أصل إلى ما أريد؟ وليس ما يفعله الآخرون، دعوني أضرب لكم مثل بسيط، خرجتَ إلى عملك، وأنت في الطريق تفاجئت بالزحام المعتاد، ياالله، زحامُ الصباح، السيارات المزدحمة التي تملأ الطريق و الدقائق الميتة التي تضيع سدىً واللحظاتُ الثقيلة التي تجعل النفس مريضةً مكتئبة، كل يوم على هذه الحالة، ما رأيُكم في هذه التجربة اللي يمر بها الكثير، هذا متضايق و ذك يتأفّف و الآخر عينه تقدح شرراً حتى أنك لو نويت أن تتجاوزه، صرخ في وجهك، كيف عرفت أنا نويت، مجرد أني نويت، متحفز، كل التفكير في المشكلة أليست مشكلة ؟ دعونا ننتقل من دائرة التفكير في المشاكل دعونا ننتقل من دائرة الهموم دعونا نفكر في الحل لأنني مهما بقيت أقول أنه هذه مشكلة سأبقى حتى بعد عشرين سنة وأنا أقول هذه مشكلة، دعونا نفكّر في الحل، لمجرد أن تلتفت للتفكير في الحل ماذا ستجد، حلاً واحداً ، عشرة حلول ، مئة حل ، أنا أعطيكم ، أحد تلك الحلول التي يمكن أن تراها لمجرد أن تلتفت إلى الحل ، وأنت في زحام الطريق حوِّل تلك الدقائق الميتة إلى دقائق عالية الإنتاج ، حوّل تلك النفس المُتضايقة إلى نفس مُفعمة بالحيويّة و النّشاط هل تستطيع أن تحوِّل طريقك المزدحم و بقاءك في سيارتك إلى برنامج علمي، إلى محاضرة تستفيد منها، إلى دورة تدريبية تحضرها، اقتني العديد من ما يفيدك استماعه واجعله معك في سيّارتك بدلاً من أن تتأفّف في الزِّحام استمع لما يدعوك إلى التفــاؤل، ستصل إلى عملك أو ستصل إلى بيتك و أنت عائد إليه مُفعما بالحيوية و الطاقة والنشاط، اتركوا تلك الفكرة، خذوا فكرة أخرى رآها بعضكم ربما، اكتب آيات قرآنية أو أحاديث شريفة في ورقة واحملها معك ، وكلما وقعت في الزحام كررت ما كتبت، فستجد أنك حفظت ما لم تستطع حفظه من قبل، أواكتب مجموعة من الأبيات الشعرية، بيت واحد في بطاقة ورقية و احملها معك طوال ما أنت في الطريق كرِّر تلك الأبيات، احفظها، أنا أعرف أحد الإخوة الذين جرّبوا هذه الطريقة، خلال فترة وجيزة، استطاع أن يحفظ ألفين بيت، ألفين بيت من الشِّعر استطاع أن يحفظهم ، يقول حوَّلتُ رحلتي المضنية إلى عملي ذهاباً و من عملي إلى بيتي إياباً إلى روضةٍ أدبية و استطعت أن أجني من خلال تلك اللحظات، قمّة الإنتاج و غاية الإستفادة و حفظت كل تلك الأبيات.
القصة السادسة:
دعوني من هذا و من ذاك و استمعوا إلى قِصة تلك المرأة التي كانت تشتكي دائماً من المشكلات، أنا كُل يوم في مطبخي، هذه مشكلة ليس لها حل، لا بد أن نطبخ الغداء و لا بد أن نطبخ العشاء ولابد أن نغسل الصحون ولابد أن نجهِّز الطعام، أتحداكم تصلوا من خلال ما يقول عنه هذا المتحدث إلى حل لهذه المشكلة، هذا الكلام سمعته بأذني من أحد الأخوات التي اتصلت بي، وقال أنتم تتحدثون عن أشياء غير واقعية، عندنا مشاكل ليس لها حل، اقترحت عليها فكرة، أخبرتني بعد ذلك بنتيجة تلك الفكرة، قلت لها هل تريدي أن تُصبحي طالبة علم، طالبة علم ! ما عندي وقت أحضر دروس , لا لا لا أبداً كوني طالبة علم و أنت في المطبخ، أصلاً أنت لو عندك وقت تحضري دروس كنا أعطيناك نصيحة أخرى، نحن نريد وقت المطبخ، طبَّقت النصيحة ثم اتصلت بي بعد ستة أشهر، قال هل تصدق أنني الآن أحفظ أكثر من ثلاثمئة حديث وأعرف شرحها شرحاً وافيا ولو أردت أن أُلقي في كل حديث من هذه الأحاديث محاضرة لاستطعت، كل الذي قامت به أنها أخذت مجموعة أشرطة لأحدِ العلماء، مجموعة دروس لشرح تلك الأحاديث، بينما هي تعمل تصغي إليها و تستمع إليها، نجحت في التحدي، وأوجدت الحل، وستنجح في التحدي دائماً، أنتم وأنتن الكل سينجح في التحدي إذا كنا قادرين على التَّحليق في دائرة اسمها دائرة القدرة، ماذا أستطيع أن أعمل أنا، ماذا أستطيع أن أفعل بنفسي، هنا سنصل، سيعود شخص آخر ويقول: هنالك بعض التجارب السلبية السابقة هي التي تقف أمامنا وهي التي تعيقنا، خليك منطقي شوي، كم مرة حاولت أن أصنع ذاتي، كم مرة حاولت أن أحقق نجاحاتي، لكنّ الفشل السّابق يسحبني إلى الوراء مررت بتجربة قاسية، لا أستطيع أن أتجاوزها و لا أستطيع أن أنساها،أقول له الناجح ليس في حياته فشل، الناجح لا يحمل في خارطته الذِّهنية شيئاً يُسمى فشل بل يعرف ما يسمى بتجربة، نحن لا نفشل نحن نخوض غمار التَّجارب، الضَّربة التي لا تقصُم ظهرك تُقوِّيك أي تجربة مررتَ بها إن كُنت تشعر بأنها كانت فشلاً فقد أخطأت و إنما هي تجربة.
القصة السابعة:
أعلنتُ مرةً في إحدى الصحف، أبحث عن موظفين، أبحث عن مدير تسويق، حضر مجموعة أشخاص و قدموا سيرهم الذاتية، من بينهم شخص عندما قابلته والتقيت معه : ماهي مؤهلاتك، قال : مؤهلاتي : أكثر من مئة مؤسسة فاشلة، عملتُ على إدارة تسويقها، و أُبشّرك فشلت !! الله يبشرك بالخير ! ونحن كم رقمنا إن شاء الله ، قال :لا لا لا ،هذي مؤهلاتي الحقيقية، كل تلك التجارب التي دفعتْ ثمنها تلك المؤسسات غالياً ستجنيها أنتَ اليوم، والله ! أريد أن أتفاءل، أريد أن أُصدِّقك، قال :لا .. اسمح لي أن أُحدثك عن الخبرة التي حصلت عليها من خلال كل تلك التجارب، عندما استمعتُ إليه تمنّيت أنني أدرتُ أكثر من مئة مؤسسة فاشلة، حتى أحصل على خِبرته التي وصل إليها، بمجرّد أنه اعتقد أن التجارب التي مر بها هي خِبرات نتيجة تجارب، استطاع أن يكون واثقا من نفسه وأن ينطلق من جديد، صدِّقوني لو حوّل الفكرة واعتقد أنه فشل لَترك العمل مُنذ أول تجربة، من بعد أول مؤسسة سكَّرها، رُبما لا يبحث عن عمل بعد ذلك لكنه كان ينظر إلى تجاربه نظرة إيجابية، تذكر هذه الكلمة، انظر لحياتك من الزاوية المشرقة، انظري إلى حياتك من الزاوية المشرقة، إذا استطعنا أن نمتلك تلك النظرة نستطيع أن نصنع ذواتنا.
القصة الثامنة:
رحلتي مع صناعة الذات بدأت بقصة، سأختمها بقصة لن أنساها، قصة واقعية حصلت معي فعلاً ، قصة تؤجِّج المشاعر في نفسي وأنا أتحدث عنها، عندما أُدير شريط تلك القصة في مخيلتي أشعر وكأنّني سأسقط ، كانت تجربة، دعوني أُحدثكم عنها، عندما كنت في الصف الثاني متوسط، وفي شهر رمضان بالتحديد صليت التراويح خلف الإمام كان خاشعاً بِالقدر الذي ملأ المصلين بالخشوع و كنت أحدهم تأثرتُ من دعائه للمسلمين ونصرتهم، فخرجتُ ونفسي عَبِقة مُتألِّقة مشاعراً إيجابية و قمت أتساءَل وأنا في هذا العمر كيف أستطيع أن أخدم الدين وكيف أستطيع أن أخدم أمتي، كانت فكرة تعتصرني، فكرة تقتلع عليّ أُنسي و سروري فتحوله إلى حزن وكدر، تلك الفكرة أن الشباب الصغار في عمري يضيِّعون أوقاتهم سدىً بدون أيةِ فائدة، وبينما أنا أسير عائدا من المسجد إلى البيت، أشاهد مجموعة من رفاقي في عمري يلعبون الكرة و يترامونها و يتراشقونها من خلف الشبكة: يا الله ! هؤلاء ضحية المؤامرة على الأمة الإسلامية، بقيت مشاعري متأججة، كنت أتقلب على فراشي، جاء الصباح فانطلقت إلى المدرسة، أول ما وصلتُ اتجهت إلى الأستاذ المسئول عن النشاط : يا أستاذ لو سمحت أريد أن أُلقي كلمة بعد صلاة الظهر: جميل رائع ! أعطيني الكلمة حتى اقرأها ، آآه والله أنا آسف ما كتبتُ الكلمة، ما كتبتَ الكلمة ! طيب كيف ستُلقي ؟ ، سأُلقي ارتجالاً أنا عندي أفكار و سألقي ارتجالاً ، اسمحوا لي أن أقول لكم سرا لا تخبروا به أحدا، حتى تلك اللحظة لم أكن قد وقفتُ و ألقيتُ في حياتي ، و لا مرة، للأسف الأستاذ وافق على طلبي، مضى الوقت بطيئاً، صلّينا الظهر، كنتُ أصلي، كان قلبي يرتجف ارتجافاً ، أنا لا أعرف هل هو خشوع في صلاة الظهر، سَلَّم الإمام أردت أن أقف، فشعرتُ أنّ قلبي يزداد ثِقلاً و الثقل يزداد حتى أنه يمنعني من الوقوف، قلت في نفسي، وأنا ايش اللي جابني للمشكلة هذي لكن، لا مناص تحاملتُ على خطواتي مشيت تقدمت وقفت أمام الطلاب أنظر إليهم، كان أمامي خمسة صفوف، والأستاذ صلى بنا إماماً ويجلس بجواري قال لي : إذا أطلتَ سأسحبُ ثوبك : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ... سورة الفاتحة .. أما بعد : المدرسة كُلها بدأت تضحك، حتى الجدران كانت تضحك، أحد المدرسين كان سمين جداً لم يردني أن أنظر إليه و هو يضحك وضع يديه على فمه كنت أنظر إلى بطنه يضحك .. المدرسة كلها كانت تضحك، يا الله، اسألني عن أعظم أمنية، سأقول لك، أتمنى أن تنشق الأرض و تبتلعني، أشعر بتنميل في أطرافي، أشعر بأن رُكبي تنتفض، أشعر بأن قلبي ذهب و تَركني، أشعر بأن شخص عَصَر ليمونةً فوق رأسي، أكاد أن أنكمش و أتضاءل كانت تلك هي مشاعري، اسألني عن أيِّ أُمنيةٍ لا أتمنّاها سأُجيبك بكلمة واحدة: لا أتمنى أن يراني أحد، لا أتمنى أن يسمعني أحد، لا أتمنى أن يشعر بي أحد، أتمنى أن أختفي، تقدمتُ بخطوات متثاقلة والضحكات تنسحبُ شيئاً فشيئاً، كنت أجلس قبل الصلاة و أثناء الصلاة في الصف الثاني، تقدمت حتى وصلتُ إلى الصف الثاني جلستُ في مكاني أنزلتُ رأسي اصطَكّت رأسي برُكبتي كان الجالس عن يميني يضحك و يضربني ضربات بسيطة فأميلُ إلى اليسار فيضحك الجالس عن يساري و يضربني ضربات بسيطة، أنقذني صوت المدرس، أحد الأساتذة بدأ يصرف الصفوف حتى يعودوا للحصة بعد الصلاة، الصف الأخير يتحرك الصف الذي يليه يتحرك الصف الثالث يتحرك الصف الثاني يتحرك وصلني الدور، وقفوا جميعاً حتى يغادروا وقفتُ و كبَّرتُ السُّنة، انصرفوا جميعاً، بعد أن انتهيت التفتُّ يمينا ، التفتُّ يسارا لا يوجد أحد الآن اهرب الآن أقف، ذهبت إلى فصلي، يا الله نسيت إذا كنت آخر من يغادر المصلى سأكون آخر من يصل إلى الفصل، كل السخرية تنتظرني داخل الفصل، فتحتُ باب الفصل: قاه قاه قاه قاه، الكُل بدأ يضحك، من نعمة الله عَلي أن طاولتي كانت الطاولة الأولى، سحبت طاولتي وجلست، بدَأت العبارات تتراشق كل منهم يضربُ رأسي بعبارة، أخرجت كتابا و دفنت وجهي فيه، أأبكي ؟ كيف أُعبِّر عن مشاعري ؟ كيف أُفجِّر يأسي ؟ كيف أُحدِّثكم عن إحباطي؟ تخيلوا تلك الكثافة السلبية العالية التي تكدَّست في نفسي، بينما أنا كذلك، ضربة قوية على الطاولة، رفعتُ رأسي: مدرس اللغة العربية، سحبني من يدي أخرجني، أوقفني أمام الطلاب، هذا الأستاذ كان قاسياً ، يمتلك كف لم أذُقها ولكنني رأيتُ من سقط على الأرض لأنَّه ذاقها، يا ساتر أمسكَ بيدي، ماذا يريد، أوقَفَني أمام الطلاب، عاقَبني لوحدي، تفاجئتُ بأن يده التي كانت تمسكُ بيدي كانت ترسلُ لي مشاعرَ المحبة مشاعر مُفعمة بالحميمية، رفعَ يدي عالياً : أحسنتَ يا مريد، أحسنتَ يا مُريد، كأني مُنتصر في حلبة المصارعة، أنا لا أكتُمكم في البداية كنت مُطأطئ و نظري يصافح الأرض، لما رَفع يدي إلى الأعلى : أحسنتَ يامريد ثم قال: مريد هو الشخص الوحيد الذي وقف أمامكم و لم يتحدثْ و لم يقف منكم أي شخص و لم يتحدث منكم أي شخص، مريد وقف ولم تقفوا، الذي وقفَ اليوم ولم يتحدث يقف غداً ويتحدث، آآه صح : أقف غداً و أتحدث أنا لم أفشل أنا مررتُ بتجربة، الأستاذ جعلني أنظر إلى التجربة من الزاوية الإيجابية، جعلني أنظر إليها من الزاوية المشرقة ، ماذا تتوقعون النتيجة اليوم الثاني وبعد صلاة الظهر وقفتُ أمام الطلاب و قلت: أما بعد ثم تحدثت و تكلمت، ترى لو أنني لم أنظر إلى تلك التجربة بزاويةٍ إيجابية ما الذي كان سيحدث ؟ ما كنتُ سأقف أمامكم في هذه اللحظات.
لن أنسى كلمةً أخيرة قرأتُها عندما كنتُ صغيراً في أحد الكتب قال مؤلفُ ذاك الكتاب: ما احترق لسانٌ بقوله نار، ولا اغْتَنى فقيرٌ بقوله ألفَ دينار، قُل ألف دينار إلى الأسبوع القادم لن تجد في جيبك و لا حتى ديناراً واحداً ، قل نار إلى الشهر القادم لن يحترق لسانك، و لكن قل فِكرتك بعد أن تُعمِلها في ذِهنك، تحدَّثْ بها، ثم اكتُبها، ثم خطِّط لتنفيذِها، ثُم انطلق بعزيمة، ستُحقِّق ذاتك، سَتصِل إلى ما تُريد و ستكون كما تُريد، و ذلك ما تُريدون، و ذلك ما أُريد .
الحياة تجربة وصناعة الذات فكرة تخلق الأمل و الأمل لا بد أن يحذوه العمل وبذلك نستطيع أن نكون و نستطيع أن نحقق ذواتنا .
اسأل الله سبحانه و تعالى أن يجعلنا نطمح الطموح السوي ونأمل كما نُريد أن نكون وكما يبغي ربنا.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .[/font]
[font=Arial]

[/font][font=Arial]ملاحظـــة:
نقلته للفائدة مع بعض التعديل.

09-06-2012 01:19 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
صالح333
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 244
المشاركات : 276
الدولة : الجزائر
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 41
 offline 
look/images/icons/i1.gif صناعة الذات وتجارب الحياة
الحياة قصص وعبر ياليتنا نعتبر ونتعظ

اللهم أعل هممنا

شكرا لك أخي




الكلمات الدلالية
صناعة ، الذات ، وتجارب ، الحياة ،


 







الساعة الآن 03:36 مساء