أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





2 تابع لعوامل بناء النفس

روى [الخطيب البغدادي] في كتاب شرف أصحاب الحديث أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على [الإمام الأعمش] -عليه رحمة الله- [أبي مح ..



03-12-2011 08:47 صباحا
عيسي عبد القادر
rating
الأوسمة:4
وسام العطاء
وسام العطاء
وسام القلم المميز
وسام القلم المميز
وسام المشرف المميز
وسام المشرف المميز
وسام الإشراف
وسام الإشراف
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 31-10-2011
رقم العضوية : 176
المشاركات : 2102
الجنس : ذكر
الدعوات : 4
قوة السمعة : 7859
الدولة : الجزائر
 offline 
روى [الخطيب البغدادي] في كتاب شرف أصحاب الحديث أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على [الإمام الأعمش] -عليه رحمة الله- [أبي محمد سليمان ابن مهران]؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فكانوا يتهافتون عليه، فأراد أن يؤدبهم وأن يختبرهم ليرى هل هم صادقون أم ليسوا بصادقين؟ فاشترى كلب صيد، أول ما يسمع قرع الأقدام اقترب من البيت أطلق عليهم، فيطردهم حتى يخرجوا خارج الحدود، ثم يرجع، وفي اليوم الثاني هل يئس أولئك الطلاب –طلاب العلم-؟ لا؛ بل عاودوا مرة أخرى إلى بيت الأعمش، وهم على حَذَر، على خوف ووَجَل، ولما قربوا أطلق عليهم الكلب مرة أخرى حتى خرجوا خارج الحدود، ثم عاد. وفي اليوم الثالث يأتون، ما يئسوا وما فتروا وما قالوا: لا خير في هذا الإمام، وإنما علموا قدر ما عند هذا الإمام وقدره، فصبروا على كل شيء في سبيل أن يحصلوا على حديث واحد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وجاءوا في اليوم الثالث، وتقدموا على خوف ووَجَل يتوجسون أن يرسل عليهم الكلب، ووصلوا إلى البيت فلم يخرج عليهم شيء، فاستأذنوا على الإمام، فأذن لهم، ولمَّا دخلوا بكى، قالوا: ما يبكيك يا إمام؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر –يعني الكلب-.

ما ترون لو أن عالمًا طرد طالب علم ناهيك على أن يرسل عليه كلبًا، هل سيرجع إليه في هذا العصر الذي ماتت فيه الهمم؟ كلا وألف كلا؛ بل لا يسلم من لسانه أبد الدهر؛ لأن الهِمَم ضعيفة، وأي عائق يعيق الضعيف. وأما السلف فلا، أقوياء أتقياء؛ فليكن لنا من سِيَرِهم دافع لأعمالهم، وتشير الأخبار عن الإمام الأعمش –أيضًا- إلى أن تلاميذه كانوا يحتالون عليه ليكتبوا عنه الحديث نظرًا لأنه يَضِنُّ عليهم بما لديه، لتربيتهم ولتعرفيهم قدر هذا الحديث الذي يأخذونه عنه. من ذلك ما يرويه أحد تلاميذه –وهو [عيسى بن يونس]- يقول: خرجنا في جنازة من الجنائز، ورجل من طلاب العلم كان يقود الإمام الأعمش فلما دُفنت ورجعنا، عدل بالإمام الأعمش قليلاً قليلاً حتى أصحر به –يعني: حتى أصبح بالإمام في الصحراء- ثم قال: يا إمام أتدري أين أنت الآن؟ قال: لا. قال: في جبانة كذا وكذا، والله لا أردك حتى تملأ ألواحي هذه حديثًا، طالب علم حريص على الحديث، والأعمش لا يستطيع أن يعود إلى بيته، قال: اكتب، حدثنا فلان عن فلان حتى ملأ الألواح التي بين يديْه، ثم قفل به راجعًا، وهو يعرف ماذا سيكون من هذا الإمام؛ فلما دخل الكوفة، دفع الألواح لطالب علم قال له: خذها واهرب بها، وذهب بالأعمش إلى داره، ولما وصل تعلق الأعمش به، وصاح بالناس، وقال: خذوا الألواح من هذا الطالب، فقال: يا أبا محمد قد فاتت الألواح. قال: كل ما حدثتك به كذب لئلا ينتفع به، فقال التلميذ –وهو يعرف إمامه- قال: أنت أعلم بالله من أن تكذب. من يقول حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا يكذب أبدًا –وهو الصحيح فلم يكذب عليه أبدًا-. السؤال المتبادر إلى الذهن –يا طلاب العلم- هل كانوا يبخلون ويضنون بالحديث على طلبة العلم؟ والله ما كانوا كذلك؛ فأحاديثهم تملأ دواوين الإسلام، لكنهم كانوا يُربون أيَّما تربية، إن هذه الطريقة -يا أيها الأحبة- دواء ناجح لكسر الشموخ والخيلاء التي توجد عند بعض طلبة العلم عندما يتعلم مسألة واحدة من مسائل العلم، بعضهم يحضر إلى حلقة الشيخ، ويرى أنه هو الشيخ، وبعضهم يحضر إلى الحلقة، وقد استحضر نسبه وماله وجاهه؛ فما له إلا أن يؤدب على التواضع للعلم والذل له ليناله؛ فلا ينال العلم مستكبر.
ومن لم يذُقْ مر التعلم ساعة *** تجرَّع ذُل الجهل طول حياته

فإذا حضرت مجلس علم -يا طالب العلم- فلا يكن حضورك إلا مستزيدا علمًا وأجرًا لا حضور مستغنٍ بما عنده، ولا حضور طالب عثرة تشنعها، أو غريبة تشيعها؛ فهده فعال الأراذل الذين لا يفلحون في طلب العلم أبدًا؛ فإذا حضرت على هذه النية فقد حصلت خيرًا على كل حال؛ فإن لم تحضر وهذه النية معك فجلوسك في منزلك أروح لبدنك، وأكرم لخلقك، وأسلم لدينك؛ فإذا حضرت مجلس العلم فإما أن تسكت سكوت الجهال؛ فتحصل على أجر النية في المشاهدة، وعلى الثناء عليك بقلة الفضول، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس؛ فإن لم تفعل فاسأل سؤال المتعلم؛ فما صفة هذا السؤال؟ أن تسأل عما لا تدري، لا تسأل عما تدري؛ فإن السؤال عما تعلمه سُخف، وقلة عقل، وقطع لزمانك ولزمان غيرك بما لا فائدة فيه، وربما أدى إلى اكتساب العداوات، وهو عين الفضول (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) فإذا سألت وأجابك بما فيه كفاية لك، فاقطع الكلام؛ فإن لم يجبك بما فيه الكفاية فاستزده؛ فإن لم تفهم فقل: لم أفهم واستزده؛ فإن لم يزدك أو سكت أو عاد عليك الكلام الأول بلا مزيد فأمسك عنه، وإلا حصلت على العداوة، ولم تحصل على ما تريد من الزيادة، وإياك وسؤال العَنِت والمُكابِر الذي يطلب الغلبة، ويبين أن عنده علمًا؛ فإن ذلك دليل على سوء الخلق، وعلى قلة الدين، وعلى كثرة الفضول، وضعف العقل والسخف "وإنما أهلك من كان قبلكم كثرت مسائلتهم واختلافهم على أنبيائهم".

ثم اعلم -أخي طالب العلم- أن الوقوف على بعض أخبار طلبة العلم والعلماء من خير الوسائل التي تغرس الفضائل في النفوس، وتدفع النفس الضعيفة إلى تحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة والمقاصد الجليلة، وتبعث فيها روح التأسي بذوي التضحيات في سبيل العلم لتسمو إلى أعلى الدرجات. في أخبارهم إثارة قوية لمشاعر طالب العلم الذي يسعى جاهدًا للوصول إلى المقامات العليَّة في العلوم الشرعية. جاء في ترتيب المدارج: أن [ابن القاسم] -عليه رحمة الله- تزوج ابنة عمه، وحملت منه، وقد كان شغوفًا بطلب العلم، فقرر أن يرتحل لطلب العلم، وخيَّرها عند سفره بين البقاء أو الطلاق، فاختارت البقاء معه، فسافر حتى أتى <المدينة>، وترك زوجه حاملاً في بلاده. فاسمع ما يقول؛ يقول: كنت آتي كل يوم [الإمام مالك] –عليه رحمة الله- في ظلمة الليل، في آخر الليل، في غلس، فأسأله عن مسألتيْن أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراحًا للصدر، فكنت أستغل ذلك الانشراح، فآتيه كل سحر، قال: فجئت يومًا، فتوسدت مرة عتبة بابه، فغلبتني عيناني، فنِمْتُ، وخرج الإمام مالك إلى المسجد، ولم أشعر به. قال: فخرجت جارية سوداء له، فركزتني برجلها، وقالت: إن الإمام قد خرج إلى المسجد، ليس يغفل كما تغفل أنت. إن له اليوم تسعًا وأربعين سنة قلَّما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة، يصلي الصبح بوضوء العشاء لمدة تسع وأربعين سنة! يقول [ابن القاسم]: فأنخت بباب مالك سبع عشرة سنة أطلب العلم، والله ما بعت فيها ولا اشتريت شيئًا، وإنما أطلب العلم. قال: وبينما أنا عنده إذ أقبل حجاج <مصر> –بلده- فإذا شاب ملثم دخل علينا، فسلم على مالك، وقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إليَّ، قال: فأقبل علي يقبل عيني ويدي وجدت منه ريحًا طيبة؛ فإذا هي رائحة الولد، وإذا هو ابني الذي ذهبت، وهو في بطن أمه قد أصبح شابًا يافعًا فيالله. تركوا كل شيء، وأعطوْا العلم كل شيء، ففتح الله عليهم فتحًا لا يخطر بالبال، ولا يدور بالخيال. لا نقول: أعطُوا ما أعطَوْا؛ فنحن أقلُّ والله. لكن لنقول: لنعطِ العلم بعض شيء علَّنا نكون شيئًا، نسأل الله أن ييسر لنا العلم النافع والعمل الصالح، هو ولي ذلك والقادر عليه.

حكى [الخطيب التبريزي] اللغوي: أن [أبا حسن الغالي] الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة [لابن دريد] كانت في غاية الجودة، فدعته الحاجة ذات يوم لبيعها، فكتب أبياتًا في آخرها يعبر عن معاناته في بيع أعز ما لديه وهو الكتاب، لكنها الحاجة - ونسأل الله أن يغنينا عمن أغناه عنا- عرضها للبيع فاشتراها منه [أبو القاسم] المذكور قبل قليل، اشتراها منه بستين دينارًا، ثم قام بتصفحها، فوجد فيها تلك الأبيات بخط بائعها يقول فيها:
أنست بها عشرين حولاً وبعتها *** لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها *** ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية *** صغار عليهم تستهلُّ شجوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرتي *** مقالة مكويِّ الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك *** كرائم من ربٍّ بِهن ظنين
فقرأها وتأثر أبو القاسم، وفاضت عيناه، وذهب وأرجع النسخة له، وترك له الدنانير، فرحم الله الجميع.

وفي البداية يقول [ابن كثير]: لقد كان [البخاري] يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج، ثم يكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ السراج لينام، ثم يقوم أخرى وأخرى، كان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة. بل إن [الإمام الشافعي] تذكر عنه ابنته تقول: إنه في ليلة واحدة أطفأ وأضاء السراج ستين مرة؛ فما الذي نَامَهُ هؤلاء من ليلهم، رحمهم الله؟ قد كانت الشدائد في سبيل تحصيل العلم عندهم أشهى وألذَّ وأحلى من جنى النحل في الفم؛ لأنهم يعرفون قدر ما يأخذون.
يقول [عمرو بن حفص] الأشقر، يقول: إنهم فقدوا [البخاري] –عليه رحمة الله- صاحب الصحيح –نسأل الله أن يرحمه وأن يجعله في موازين حسناته يوم يلقى الله- فقدوه أيامًا من كتابة الحديث، وقد كان من أحرص الناس على كتابة الحديث. قال: فطلبناه نتلمسه، فوجدناه في بيته وهو عريان لا يملك حتى الثوب الذي يلبسه، قال: وقد نفد كل ما لديه، ولم يبقَ معه شيء، ولم يستطع الخروج؛ لأنه عريان. قال: فاجتمعنا، وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه. قال: ثم اندفع معنا في كتابة الحديث. فماذا يقول من يملك عشرات الثياب؟ ماذا يقول من يملك عشرات الأقلام والأوراق ثم ينام عن حلقة علم يذهب لها لا علي قدميْه بل بسيارته في مكان مُكيَّف مُعدٍّ مُهيَّأ لذلك؟ لا نامت أعين الكسالى. لا نامت أعين البطالين. كلنا نلهج بالعلم، ولا أحد منا يباري العلماء. وهاهو [أبو يوسف] تلميذ [أبي حنيفة] -عليهما رحمة الله-، يموت ابنه ويجهزه ويصلي عليه مع المصلين، ثم يوكِّل أناسًا يدفنونه، ويذهب لحلقة إمامه، وهو يقول: ذهب الابن، وأحتسبه عند الله، وأخشى أن تفوتني مسألة لا تذهب حسرتها من قلبي حتى أموت.
يا خاطب العلياء إن صداقها *** صعب المنال على قصير الباع
أما [المنذري]، فيقول أحد تلاميذه: جاورته اثنتيْ عشرة سنة -بيتي فوق بيته- ما قمت في ساعة من ليل إلا وسراجه مُضاء يكتب أو يصلي.

وهذا خبر أخير من أعجب الأخبار وأغربها، وقع لعالم أندلسي ممن رحلوا من الأندلس إلى المشرق، رحل هذا العالم إلى المشرق على قدميْه لتلقِّي إمام من أئمته ليأخذ عنه العلم، ولكنه حين وصل إليه وجده محبوسًا ممنوعًا من الناس، فتلطف وتحيَّل حتى لقيه، فأخذ العلم عنه بصورة لا تخطر على البال، ولا تدور بالخيال. جاء في السِيَر [للذهبي] أن [بَقيَّ بن مَخْلَد] الأندلسي كان جُلُّ بغيته ملاقاة الإمام [أحمد] والأخذ عنه، فخرج من <الأندلس> على قدميْه ماشيًا. يقول: فلما قربت من <بغداد> اتصلت بي خبر المحنة التي دارت على الإمام أحمد، وعلمت أنه ممنوع الاجتماع إليه والسماع عنه. قال: فاغتممت لذلك غمًّا شديدًا فلم أعرج على شيء؛ بل أنزلت متاعي في بيت اشتريته، ثم أتيت الجامع الكبير، وحضرت بعض الحِلَق، قال: ثم خرجت أستدل على منزل الإمام أحمد، قال: فدُللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إليَّ، وفتح الباب، فنظر إلى نظر رجل لم يعرفه، فقلت: يا أبا عبد الله رجل غريب الدار، وهذا أول دخولي البلد، وأنا طالب حديث وجامع سنة، ولم تكن –والله الذي لا إله إلا هو- رحلتي إلا إليك يا إمام. فقال: ادخل الممر، ولا تقع عليك عين، فدخلت الممر، وجاء لي، فقال: من أين؟ قلت: من المغرب الأقصى، من <الأندلس>، فقال: إن موضعك لبعيد، وما كان من شيء أحب إلي من أحسن عون مثلك على مطلبه، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت له: بلى قد بلغني، وأنا قريب من بلدك بعد أن قطعت ما قطعت مقبلا نحوك. لكن يا أبا عبد الله هذا أول دخولي البلد، وأنا مجهول عندكم؛ فإذا أذنت لي أن آتيك في زِيِّ سائل، فأقول ما يقول السائلون المتسولون الأجر رحمكم الله، فتخرج إلى هذا الممر؛ فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث لكان لي فيه خير عظيم. فقال الإمام أحمد: نعم على شرط أن لا تظهر في الحِلَق عند أصحاب الحديث. فكنت آخذ عودًا بيدي وأَلُفُّ رأسي بخرقة، وأجعل ورقتي ودواتي في كُمِّي، ثم آتي بابه، فأصيح: الأجر رحمكم الله، الأجر رحمكم الله. قال: فيخرج إليَّ في الممر ويغلق باب الدار، ثم يحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث. قال: والْتزمتُ تلك الطريقة حتى زالت المحنة عن الإمام أحمد؛ يوم مات المبتدع، وتولى من كان على السنة. قال: فظهر الإمام، وسما ذكره، وعظم في عيون الناس، وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فكنت أحضر له، فيعرف لي حق صبري، ويعرف لي حق تجلدي في طلب العلم؛ فإذا رآني هشَّ وبشَّ، وقال: تعالَ إليَّ، وأفسح لي في مجلسه، وأدناني من نفسه، ثم يقول لطلبة الحديث: هذا هو الذي يستحق أن يطلق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي. قال: ثم مرضت يومًا من الأيام، قال: فزارني الإمام أحمد؛ فما بقي أحد بعد ذلك إلا زارني، وأَجلَّني الناس لزيارته وخدموني؛ فواحد يأتيني بفراش، وآخر يأتيني بلحاف، وآخر يأتيني بأطايب الأغذية، وكانوا في تمريضي -والله- أكثر من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم. فرحم الله الجميع، وجزاهم الله عن العلم وأهله خيرًا. هذه بعض أخبارهم في رحلاتهم في طلب العلم، في نَصَبِهم، في تعبهم، في هجر النوم، في الصبر على شغف العيش، في مرارة الفقر والجوع والعطش، في الهواجر الأيام والساعات، في نفاذ أموالهم ونفقاتهم في الغربة، في فقد كتبهم ومصابهم في بيعها؛ لأنها من أعز ما يملكون.

هذه الأخطار هلاّ كانت –أيها الأحبة- مجلاة للقلوب من الصدأ والكسل، ومدعاة لتحريك الهمة للجد والعمل، أنتم كهم ومن يشابه أبه فما ظلم
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبُّه بالكرام فلاح
قوموا اقرعوا بالعلم أبواب العلا *** لا تقصروا عن همة القرَّاع
واستعذبوا شوك المنايا في اجتنا *** ورد الأماني رائق الإيناع
وتعلموا فالعلم معراج العلا *** ومفاتح الإخصاب والإمراع
وإذا علمتم فاعملوا فالعلم *** لا يجدي بلا عمل بحسن زمام
ثم إن لكل شيء ثمرة، وثمرة العلم العمل والتبليغ، وعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر
هتف العلم بالعمل *** إن أجابه وإلا ارتحل
ومن كتم علمُا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة وما أحوج الأمة في حاضرها إلى الدعوة إلى الله -جل وعلا-. ما أحوج الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بصيرة، على علم مستوعب للشرع والواقع والبيئة وأحوال الناس. إن تبليغ هذا الدين، يروض النفوس ويكسبها الصبر، ويكسبها الحلم والطمأنينة والسكينة؛ إذ إنه ولابد من مخالطة المدعوين، لابد من الصبر على أذاهم، والحنو عليهم لانتشالهم مما هم فيه، ومن يبني غيره هو أحق بأن يكون ثابت البناء، لا يُزحزَح بسهولة. إن سفينة الأمة تتقاذفها الأمواج يُمْنَة ويسرة، ويخرق فيها المفسدون كل يوم خرقًا؛ فإن لم تجد من يصلح تلك الخروق، فلربما تتحطم السفينة، وتغرق، ولاشك وسيغرق من على ظهرها. ركابها بحاجة إلى أن يكونوا على قدر كبير من الوعي والبناء واليقظة لما يراد بهم، وبإصلاح النفوس تصلح السفينة وتسلم –ولاشك-.
هاهو رجل من الصالحين في مدينة <الرياض> –كما ذكر من نحسب أنه ثقة- يقول: كان له عمل مسائي، وهذا العمل المسائي امتد لمدة شهر. كان له عمل مسائي يقول: فكنت آتي كل ليلة من الليالي. يقول: فكنت أمُرُّ على أحد الأرصفة فأجد عليها أربعة من شباب هذه الأمة يلبسون من الثياب ما يستحيي إبليس أن يلبسه، ومعهم من آلات اللهو ما ينزه المقام عن ذكره. قال: فكنت أتأثر لحالهم، وأذهب لعملي قال: وجئت في اليوم الثاني، وإذ هم على آلات اللهو، وفي جلسةٍ اللهُ يعلمها قال: وأتأثر لذلك، وشهر كامل وأنا أمر عليهم على هذا الرصيف. قال: فجئت في ذلك اليوم، وقلت: والله لئن جلسوا إلى الغد لأتين إليهم ولأذكرنهم بالله –الذي لا إله إلا هو-. قال: وجئت في اليوم الثاني وانطلقت لعملي. قال: ومررت فإذا الأربعة على ما هم عليه. قال: فأوقفت سيارتي بعيدًا عنهم. قال: ثم تقدمت إليهم وئيدَ الخُطى؛ علَّهم أن يعدلوا من جلستهم، أو يغيِّروا من بعض المنكرات التي هم عليها. قال: ولا بأس بذلك قاموا، فأدخلوا العود في السيارة، وأطفئوا ما معهم من سجائر، وأطفئوا الموسيقى، وجلسوا جلسة معتدلة. قال: فتقدمت إليهم، وسلمت عليهم واستأذنت، فأذنوا لي. قال: فجلست إليهم، وقلت: أنتم تعلمون لِمَ جئت، يا أيها الشباب؛ أنتم أحفاد أبي بكر وعثمان وعمر وعلي –رضي الله عنهم وأرضاهم- أرأيتم لو انحرفت سيارة من هذا الشارع، ثم ارتطمتْ بكم وأنتم على هذا الحال، أيسركم أن تلقوا الله بذلك؟ ثم ذكرتهم بالقبر والمصير الذي ينتظرهم، ثم ذكرتهم بوقوفهم بين يديْ الله –عز وجل- وبمصيرهم إما إلي الجنة وإما إلى النار، قال: وإذا بدموعهم تنزل على خدودهم، وإذ بأحدهم يقول: وشهر وأنت تمر علينا، لا سامحك الله. قال: ولم؟ قال: أرأيت لو أخذنا الله قبل هذه الليلة والله لا نسامحك بين يديْ الله –جل وعلا-. يقول هذا الأخ: فإن الأربعة لأئمةُ مساجد الآن.
إن الأمة لأحوج ما تكون إلى كلمة اتقوا الله، عودوا إلى الله، أيسرُّكم أن تلقوا الله بم أنتم عليه من المنكرات؟ كلمات بسيطة، لكن الله -عز وجل- إذا علم من قائلها الصدق نفع الله -عز وجل- بها

فادع الله يا طالب العلم محتسبًا أجرك على الله أكرم الأكرمين لكني أقول لك: يا طالب العلم، يا أيها الداعية إلى الله لابد أن تضع نصب عينيْك بعض الأمور الغير المرتبة:
أولاً: أن الحكمة مطلوبة، وهي وضع الشيء في موضعه (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) فالشدة في موضوعها حكمة، والرفق في موضعه حكمة، وما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضِرٌ كوضع السيف في موضع الندى.
ثانيًا: رَبِّ نفسك وربِّ الناس، وابنهم على صغار العلم قبل كباره؛ فإن غذاء الكبار –كما يقال- سم الصغار، فلو قدمت لقمة لحم لرضيع لربما تقتله فلينتبه لذلك. التدرج في طلب العلم؛ فالقفزات المحطمة لا خير فيها.
ثالثًا: تحديد الهدف مع الدراسة والتخطيط؛ لاتخاذ الوسائل المناسبة الموصلة إلى الهدف، ومثل الذين يعلمون من غير تحديد لأهدافهم كمثل إنسان يضرب في الصحراء دون أن يكون معه دليل يرشده أو قائد يهديه، ولا شك أنه سيظل يسير حتى يَمَلَّ السير، ويضرب في الأرض حتى يضطرب ويختل، وعندئذ يتمنى لو يعود من حيث أتى، وهيهات هيهات، ولاشك أن الهدف هو نشر دين الله في الأرض كما أمر؛ فلابد من وسائل صحيحة سليمة ومقدمات معينة توصل للهدف المطلوب، وهي غير خافية على المسلم البصير.
رابعًا: ليس كل ما يعرف يقال، ولكل مقام مقال، حدثوا الناس بم يعرفون. أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟
خامسًا: علينا أن نتعرف على طبيعة الأرض قبل أن نحرث فيها الحرث؛ بمعني أن نكون على معرفة بأحوال المدعوين النفسية، وظروفهم الاجتماعية، ودراسة البيئة التي ندعو فيها، وخير قدوة لنا في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان على علم بالأفراد؛ فتعلمون في صلح الحديبية يوم يأتي أحد المشركين للصلح، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: هذا رجل فاجر، فكان كما قال -صلى الله عليه وسلم- ولم يجعل معه شيء قال: ويأتي آخر، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: "هذا رجل متألِّه ابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي في وجهه، فرجع وهو يقول: ما كان لمثل هؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، ويأتي [سهيل]، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَهُل أمرُكم؛ فكان الصلح."
بل إنه –صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة كان يدرس نُظُم الحُكم والبيئات التي هي حواليه، فيقول لأصحابه: "إن في <الحبشة> ملكًا لا يُظلم عنده أحد" فيأمرهم بالهجرة إليه، ويقول [لمعاذ]: إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله .
سادسًا: لا يعول على الكثرة من الجماهير في الرخاء وقت الشدة بل ليكن التعويل على أصحاب السوابق، يا أهل سورة البقرة، ويا أهل بيعة الشجرة.
سابعًا: المنبر من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة؛ فهناك الرسائل، وهناك الهاتف والملصقات والكتب واللقاءات والأشرطة، وما الأشرطة؟ مالئة الدنيا ونافعة الناس قال فيها أحد العلماء:
وفي كل زمان مضى آية *** وآية هذا الزمان الشريط
ولن يعدم قاصد الخير الوسائل الشرعية إن خطط ودرس وأخلص وصدق.
ثامنًا: الترفع عن مجاراة السفهاء؛ إذ كيف يجاري العالم السفيه؟ وكيف يعامل الحليم من فقد الحلم؟ وكيف يباري الخَلُوقُ سيئ الخلق؟ إنه إقحام للنفس في ميدان لا تقبل فيه السلامة، ولا تؤمن فيه العاقبة؛ فأمسك -أيها الداعية ويا طالب العلم- عن مخاطبة السفهاء، ومجاراة السفهاء، والتورُّط معهم، فهم موجودون في كل عصر، وهم موجودون في كل بيئة يشاغبون مع كل داعية، لا يخلو منهم جيل، ولذا نبه القرآن الكريم على خطرهم، وحذر عن مجاراتهم ومناقشاتهم فقال: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
تاسعًا: لا تلتفت إلى الوراء؛ فإن وراء الداعية نعيقًا وعواءً للباطل لو التفت إليه لربما تأثر به، ولربما ضعف سيره به وانشغل به عمَّا هو أهم منه، ولذا ضرب [ابن القيم] –عليه رحمة الله- مثلاً للمتلفت لنعيق الباطل بالظبي، ومثل أهل الباطل بالكلب، فيقول: الظبي أشد سعيًا من الكلب، لكن الظبي إذا أحس بالكلب وراءه التفت إليه، فضعف سعيه، فأدركه الكلب، وهو أبطأ منه؛ فالسالك لهذا الطريق ليس في وقته متسع لتشتيته هنا وهناك؛ فكيف يتأثر بأقاويل وادعاءات المبطلين، من يثق بالطريق الذي يسير فيه إذا صاحوا به في طريق سَيره فلا تلتفت إليهم .
عاشرًا: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لا تأخذ العلم من صاحب هوى أو من غافل (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
أخيرًا: وقد أطلت في هذه النقطة لأهميتها، لابد للطلب والدعوة من صبر عظيم كصبر الجماد، وليكن معزيك ما يجده الصابر عند ربه يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. إن المريض ليتجرع الدواء المرَّ لا يكاد يسيغه؛ أملاً في حلاوة العافية ولو بعد حين .
صبرت ومن يصبر يجد غبِّ صبره *** ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم

ومن عوامل بناء النفس: المداومة على العمل وإن قل؛ لأن المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها تثبيت وترويض للنفس البشرية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه، وصرفٌ لمكايد الشيطان ونوازعه، ولذا لمَّا سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحب إلي الله؟ قال: "أدومها وإن قل " كما روي [البخاري]، ويقول صلى الله عليه وسلم " أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد " فإذا عود المرء نفسه على الفضائل انقادت له –ولاشك-، وإذا تهاون فأقدم مرة وأحجم مرة كان إلى النكوص أقرب، والشيطان إذا رآك مداومًا على طاعة لله –عز وجل- فبغاك وبغاك؛ فإن رآك مداومًا مَلَّكَ ورفضك، وإن رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك؛ فداوم على الطاعات؛ فإن الله من فضله وكرمه أنه إذا جاء ما يصرفك عن أداء الطاعات من عجز ومرض وفتنة؛ فإن الأجر يجزيه الله -تعالى- لك كما كنت صحيحًا كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا " فضلا من الله ونعمة فله الحمد

من عوامل بناء النفس مجالسة من رؤيتهم تذكر بالله -عز وجل-؛ فمجالستهم تريك ما في نفسك من قصور وضعف وعيوب؛ فتصلحها وتهذبها؛ فهم زينة الرخاء وعدة البلاء يذكرونك إن نسيت، ويرشدونك إن جهلت، يأخذون بيدك إن ضعفت، مرآة لك ولأعمالك، إن افتقرت أغنوك، وإن دعوا الله لن ينسوك "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" من جالسهم وأحبهم أذاقه الله حلاوة الإيمان التي فقدها الكثير، وأحلوا بدلاً منها حبَّ المصلحة التي تنتهي بنهاية المصلحة، إذا رأيت هؤلاء خشع قلبك، واطمأن وسكن ووصل إلى ما يصل إليه سلفنا -أحيانًا- يوم يجد أحدهم حبيبه في الله؛ فيتهلل وجهه بشرًا وفرحًا، ويفيض دمعه حينما يرى أحد جلاَّسه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا ظفرت -أخي- بمجالسة مثل هؤلاء؛ فأحبهم وأخبرهم أنك تحبهم واطلب الدعاء منهم في حال الفراق في ظهر الغيب، وأطلق وجهك عند لقائهم، وابدأهم بالسلام، ونادهم بأحب الأسماء والكُنَي لديهم، وأفسح لهم في المجلس، وزرهم بين آونة وأخري؛ فالثمرة اليانعة لمجالسة من يذكرونك بالله يقصر العبد عن إحصائها، ويكفي أنها تجعلك تذوق حلاوة الإيمان، وتدخلك في السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ومنها طلب الوصية من الصالحين يوم يُقيِّض الله للمرء رجلا صالحًا يعظه، يثبته الله وينفعه بتلك الكلمات، فتنبني نفسه، وتُسدَّد خطاه يوم يتعرض لفتنة أو بلاء من ربه ليمحصه به.
هاهو [الإمام أحمد] يساق إلى [المأمون] مقيدًا بالأغلال، وقد توعده وعيدًا شديدًا قبل أن يصل إليه حتى قال خادمه: يعز عليَّ يا أبا عبد الله أن المأمون قد سلَّ سيفًا لم يسله قبل ذلك، وأنه أقسم بقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئن لم تجبه ليقتلنك بذلك السيف، وهنا يأتي الصالحون، أهل البصيرة لينتهزوا الفرصة ليلقوا بالوصايا التي تثبت في المواقف الحرجة ففي السير: أن [أبا جعفر الأنباري] قال: لما حُمل الإمام أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، وجئته، فسلمت عليه، وقلت: يا إمام أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك؛ فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنَّ خلق كثير، وإن لم تجب ليمتنعن خلق كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لابد من الموت فاتق الله ولا تجبه، والإمام أحمد في سياق رحلته إلى [المأمون] يقول: وصلنا إلى رحبة، ورحلنا منها في جوف الليل، قال: فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد ابن حنبل؟ فقيل: هذا، فقال: يا هذا ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، ثم قال: أستودعك الله، ومضى. وأعرابي يعترضه، ويقول: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، إنك رأس الناس فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه؛ فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة إن كنت تحب الله فاصبر؛ فوالله ما بينك وبين الجنة إلاّ أن تقتل، ويقول الإمام أحمد: ما سمعت كلمة مذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في <رحبة طو>، قال : يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميداً فقوَّى بها قلبي. فإن أردت بناء نفسك –أخي الكريم- فاحرص على طلب الوصية من الصالحين، اعقلها إذا تُلِيَت عليك، اطلبها قبل سفرٍ إذا خشيت مما يقع فيه، اطلبها أثناء ابتلاء، أو قبل حدوث محنة متوقعة، اطلبها إذا عُيِّنت في منصب صغر أو كبر، أو ورثت مالاً وصرت ذا غنى، اطلبها في الشدة والرخاء والعسر واليسر لتنبني نفسك، وينبني بها غيرك، والله ولي المؤمنين.
ومنها الخلوة للتفرغ للعبادة، والتفكر في ملكوت الله والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق في قيام ليل والناس نيام، في صلاة في بيتٍ عدا المكتوبة، في ذكر الله، في خلوة، عامل مهم في بناء النفس؛ فإن في ذلك صفاء للذهن وسلامة من آفات الرياء والتصنع للناس والمداهنة وفيه بعد عما يتعرض له الإنسان غالبًا بالمخالطة من غيبة ونميمة ولهو وضياع وقت ومداهنة، ولعل المرء في خلوة يذكر الله فتفيض عيناه من خشية الله؛ فيكون من السبعة الذي يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومع هذا فإن مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- ولكن اخلُ وخالط، وكلٌ له وقته.

ومنها الدعاء فهو أهم عامل في بناء النفس؛ إذ هو العبادة –كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- ففيه الذل والخشوع والانكسار بين يديْ رب الأرباب ومسبب الأسباب، هو الذي يجعل من الداعي رجلاً يمشي مرفوع الهامة والقامة، لا يخضع لأحد دون الله –الذي لا إله إلا هو- وهو من صفات عباد الله المتقين الذين يعلمون أن القلوب بين إصبعيْن من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء؛ فكان لسان الحال والمقال: "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" هلاَّ تحسسنا وتلمسنا مواطن وأسباب إجابة الدعاء؛ لعلنا نحظى بنفحة ربانية تكون بها سعادة الدنيا والآخرة، في ثلث ليل آخر، والناس هاجعون، والناس نائمون.
فقد روى الثقات عن خير الملا *** بأنه عز وجل وعلا
في ثلث الليل الأخير ينزل *** يقول هل من تائب فيُقبِل
هل من مسيء طالب للمغفرة *** يجد كريمًا قابلاً للمعذرة
يَمُنُّ بالخيرات والفضائل *** ويستر العيب ويعطي السائل.

ومن عوامل بناء النفس: تدبر كتاب الله -جل وعلا- والوقوف عند أسمائه الحسنى وصفاته العلا (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) كلنا يقرأ القرآن، وكثير منا يحفظ القرآن؛ لكن هل من متدبر ربط حياته بالقرآن؛ أقبل عليه تلاوة وتفسيرًا وعلمًا وعملاً وتدبرًا، منه ينطلق، وإليه يفيء؟ أولئك البانون أنفسهم، أولئك الثابتون إذا ادلهمَّت الخُطُوب، أولئك المسدَّدون المهديون إذا أطلت الفتن برأسها؛ فأصبح الحليم حيرانًا، وإن وقفة واحدة مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لتبني النفس بناءً لا يتزلزل ولا يحيد، إنه السميع البصير ليس كمثله شيء، إنه العليم الخبير ليس كمثله شيء، لو تفاعل المؤمن مع اسم الله السميع العليم، فربَّى نفسه عليها، فعلم أن الله يسمعه في أي كلمة ينطقها، في أي مكان يقولها وحده، مثنى، أمام الناس، عند من يثق به، عند من لا يثق به؛ فالله يسمعه سمعًا يليق بجلاله؛ بل إنه ليسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء؛ إذن لَصَلُح الحال.
هو الذي يرى دبيب الذَّر *** في الظلمات فوق صمِّ الصَّخر
وسامع للجهر والإخفات *** بسمعه الواسع للأصوات
وعلمه بما بدا وما خفي *** أحاط علمًا بالجلي والخفي

فيا طلبة العلم؛ ويا أيها الدعاة إلى الله: إن الله يسمع ما تقولون، ويعلم ما تقولون؛ فلا تأسوا ولا تحزنوا. يا أيها الدعاة إلى الشر والضلالة: إن الله يسمع ما تقولون، وما تسرون، وما تعلنون، وما تدبِّرون، وما تخططون؛ فاللهَ اتقوا، أما والله لو تفاعلت النفوس مع أسماء الله لتعلقت القلوب بالله فلا يقول الإنسان ولا يلفظ إلا بميزان، هل هذا الكلام مما يرضي الله الذي هو يسمعه وسيحاسب عليه فأقدم وإلا فلا . في يوم من الأيام، وعلى عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل رجل على زوجته مغضبًا، وكانت مغضبة، وكانا حديثيْ عهد بجاهلية، فأغضبته، فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي بمعني أنها حرمت عليه، نزل الخبر عليها مهولاً كالصاعقة. إلى أين تذهب؟ ذهبت إلى من أرسله الله رحمة للعالمين؛ إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، دخلت عليه في بيت عائشة. وما ذاكم البيت يا أيها الأحبة؟ ما ذاكم البيت يا أصحاب القصور؟ غرفة واحدة، إذا جاء الضيف أو السائل إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- وضع ساتر في وسط الغرفة، وتجلس عائشة في أقصى الغرفة، والنبي –صلى الله عليه وسلم- مع السائل والضيف في أدنى الغرفة، قالت: يا رسول الله، ظاهر مني، فيقول –صلى الله عليه وسلم-: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فتقول : يا رسول الله : أكل مالي، وأفنى شبابي. نثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فيقول –صلى الله عليه وسلم-: ما أراك إلاّ قد حرمت عليه، فتقول يا رسول الله: لي منه صبية صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. تجادل وتحاور الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وعائشة في الشق الثاني من الغرفة يخفى عليها بعض كلامهم. ويأتي الحل مع جبريل من عند السميع البصير يقول: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) وتنزل كفارة الظهار كما تعلمون، ولك أن تتخيل يا أيها الأخ، يا أيها الحبيب، تتخيل عائشة بجانبه يخفى عليها بعض كلامهم، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسُمك كل سماء خمسمائة عام، وفوق السماء السابعة خمسمائة عام ، ومن فوق ذلك عرش الرحمن، ومن فوقه الرحمن بائن عن خلقه، مستوٍ على عرشه يسمعها ويسمعهم؛ بل (مَا يَكُونُ مِن نجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) إنه الكمال المطلق لا إله إلا هو السميع البصير، تقول عائشة –رضي الله عنها بعد ذلك-:" تبارك الذي وسع سمعه السماوات والأرض وكل شيء، لقد سمعها من فوق سبع سماوات، وما سمعتها وما بيني وبينها إلا الحجاب" –أو كما قالت-.
إن النفس يوم تتفاعل مع هذه الصفة تتعلق في كل أمورها بالله، فتراقبه، وتنسى رؤية الخلق مقابل ذلك. فيا أيها العبد المؤمن إذا لقيت عنتًا وظلمًا ومشقة وسخرية واستهزاءً فلا تحزن يا طالب العلم، يا أيها الداعية إذا جُعلت الأصابع في الآذان، واستُغشيت الثياب، وحصل الإصرار والاستكبار، فلا تحزن؛ إن الله يسمع ما تقول، ويسمع ما يقال لك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) يا أيها الشاب الملتزم الذي وضع قدمه على أول طريق الهداية، فسمع زميلاً يسخر منه، ويهزأ به لا تأسَ، ولا تحزن، واثبت، واعلم علم يقين أنك بين يديْ الله يسمع ما تقول وما يقال لك. وسيجزي فاعلاً ما قد فعل. (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (وَمَا يَعْزُبُ عَن ربكَ مِن مثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ) سمعتم يا أيها الأحبة ما قد سمعتم إن النفوس يوم تربى على تدبر كتاب الله –جل وعلا- والوقوف على معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، والتملي في سيرة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- تتخذه قدوة مطلقة، وتقتدي بما يقتدي به –صلى الله عليه وسلم-. تبنى بناءً لا يزعزعه أي عارض في أي شبهة أو شهوة أو ترغيب أو ترهيب أو إغراء أو تحذير؛ بل تعلق باللطيف الخبير السميع البصير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

أخيرًا: أسئ الظن بنفسك يا عبد الله؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع عن كمال الإصلاح ويرى المساوئ محاسن والعيوب كمالاً، ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عارضها، ومن أحسن ظنه بنفسه هو في أجهل الناس بنفسه، وكم من نفس مستدرجة بالنعم، وهي لا تشعر مفتونة بثناء الجُهَّال عليها، مغرورة بقضاء الله حوائجها وستره عليها.
ألا فابنوا على التقوى قواعدكم *** فما يُبْنَى على غير التقى متداعٍ


فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
توقيع :عيسي عبد القادر
gazali

03-12-2011 10:46 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
موسى عكرم
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 01-11-2011
رقم العضوية : 178
المشاركات : 303
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 146
 offline 
look/images/icons/i1.gif 2 تابع لعوامل بناء النفس
الله يفتح عليك على هذه المواضيع الرائعة



20-01-2012 12:49 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
الرائد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 242
المشاركات : 483
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 140
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif 2 تابع لعوامل بناء النفس
شكرا لك وبارك الله فيك ... تحياتي

20-01-2012 12:50 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [3]
الرائد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 242
المشاركات : 483
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 140
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif 2 تابع لعوامل بناء النفس
شكرا لك وبارك الله فيك ... تحياتي




الكلمات الدلالية
تابع ، لعوامل ، بناء ، النفس ،


 







الساعة الآن 10:22 مساء