منتديات بن ناصر
موضوع بعنوان :مراتب السعادة
الكاتب :نبيلة 91


إذا بلغالعبد أعطى عهده الذي عهد إليه خالقه ومالكه، فإذا أخذ عهده بقوة وقبول وعزم علىتنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب التي يصلح لها الموفون بعهودهم ، فإذا هز نفسهعند أخذ العهد و انتحاها وقال قد أُهِّلْت لعهد ربي فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذهمني‏؟‏ فحرص أولا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له، ثم وطن نفسه علىامتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده، فأبصر بقلبه حقيقة العهدوما تضمنه،فاستحدث همة أخرى وعزيمة غير العزيمة التي كان فيها وقت الصبا، قبل وصول العهد،فاستقال من ظلمة غرة الصبا والانقياد للعادة والمنشأ، وصبر على شرف الهمة وهتك سترالظلمة إلى نور اليقين، فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله‏.‏

فأولمراتب سعادته أن تكون له أذن واعية ، وقلب يعقل ما تعيه الأذن‏.‏ فإذا سمع وعقلواستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ، ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يميناوشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين كان سبب انحرافهم عدم قبول العهد أوقبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ولا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره والعمل بمافيه وتنفيذ وصاياه، بل عرض عليهم العهد ومعهم ضراوة الصبا ودين العادة وما ألفواعليه الآباء والأمهات، فتلقوا العهد تلقي من هو مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه،وعادتهم لا تكفي من يجمع همه وقلبه على فهم العهد والعمل به ، حتى كأن ذلك العهدأتاه وحده وقيل له تأمل ما فيه ثم اعمل بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي أخلدإلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده، فإن علتهمته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقديمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضيلنفسه أن يكون دينه دين العادة ، فإذا شامه الشيطان‏‏ ورأى هذا مبلغ همته وعزيمته، رماه بالعصبية والحميةللآباء وسلفه وزين له أن هذا هو الحق وما خالفه باطل، ومثل له الهدى في صورةالضلال ، والضلال في صورة الهدى، بتلك العصبية والحمية التي أسست على غير علم،فرضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم، فخذل عن الهدى و ولاهالله ما تولى، فلو جاءه كل هدى يخالف قومه وعشيرته لم يره إلا ضلالة ‏.‏

وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى، أقبل على حفظ عهده وفهمهوتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد،فوجده قد تعرف إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهدقيما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه مستو على عرشهفوق جميع خلقه، يرى ويسمع ويرضى ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته ، وهو فوق عرشهمتكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه،وأنه قائم بالقسط مُجاز بالإحسان والإساءة، وأنه حليم غفور شكور جواد محسن موصوفبكل كمال منزه عن كل عيب ونقص وأنه لا مثل له‏.‏ ويشهد حكمته في تدبير مملكته وكيفيقدر مقاديره بمشيئته غير مضادة لعدله وحكمته، وتظاهر عنده العقل