أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





كلمة السرِّ المفقودة!

كلمة السرِّ المفقودة! أمجد ناصر في قلب هذا الجفاف الوطيد تذكرتُكَ. عرفتُ، بنزلةِ شمسٍ خفيفةٍ، من أين جاء وجهُكَ. ولمن ت ..



02-02-2012 08:12 صباحا
عيسي عبد القادر
rating
الأوسمة:4
وسام العطاء
وسام العطاء
وسام القلم المميز
وسام القلم المميز
وسام المشرف المميز
وسام المشرف المميز
وسام الإشراف
وسام الإشراف
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 31-10-2011
رقم العضوية : 176
المشاركات : 2102
الجنس : ذكر
الدعوات : 4
قوة السمعة : 7859
الدولة : الجزائر
 offline 
كلمة السرِّ المفقودة!
أمجد ناصر

في قلب هذا الجفاف الوطيد تذكرتُكَ. عرفتُ، بنزلةِ شمسٍ خفيفةٍ، من أين جاء وجهُكَ. ولمن تنتمي نظراتك الحبيسة في تلك الأقفاص الخضراء! أن تكون هناك لا يعني أنك هناك بالضبط. ليس بخارطة الأنفاق يمتلك المرء مكاناً ولا بجلوسه في طبقة عُليا لحافلة حمراء يصبح مواطناً تلقائياً للمطر والهدير، إذ ثمة شيءٌ يبقى في الوجه. في لمعة العين. في خطوط اليد المبسوطة على المائدة. ثمة شيءٌ يخبئه اللسان تحت جملة أجنبية دارجةٍ قد يكون كلمة السّر!
لم تتأكد مما عنََته الشاعرةُ المتحدرةُ من بطنٍ عربيٍّ قديمٍ عندما كتبتْ إليك تلك الكلمات، أثناء زيارتها للبلاد التي غادرْتَها، خلسةً، وعدتَ إليها بجناحٍ تساقط منه ريشٌ كثير. قد يكون ذلك تعريضاً مبطناً لم تلتقطه وفات أوانُ الردِّ عليه، أو لعلها مجازات الشعراء التي لا يُعَوَّل عليها كثيراً في فصل القمح عن الزؤان؟ أو ربما هو، حقاً، ما رأته فيك عينُ الشاعرة التي كأنَّها قالت إن أسلافها ينتمون إلى قبائل الصحراء. وجهُها، على ما تذكر، طالعٌ من حقل شعير. قد تكون سمراء. ذلك الوسم الشمسيّ المطبوع على الزند والترقوة. ولها، إن أردتَ ردَّ التحية بالمثل، نظراتُ قبَّرةٍ حبيسة. أهي نظرات الكائن البشري في المدن الكبرى المطوقة بالكاميرات وأنصال الليزر والخوف من الغرباء، أم النظرات التي تبحث عن فضائها الأول الضائع دون جدوى؟ أنتَ، فعلاً، لا تدري. فالشاعرةُ المتحدِّرة من بطنٍ عربي قديم لم توجد تقريباً. وتلك الرسالة لم تصلك إلاّ في حلمٍ أو ما يشبهه، وليس صعباً على ثلاثة، أو أربعة، يعرفونك أن يردُّوا حيرةَ كلماتِها إليك.

' ' '

لم تفكّر طويلاً بمغزى تلك الكلمات التي تشبه الشِّعر واللغز والحياة. احتفظتَ بها، هكذا، كطِلَّسمٍ في رأسِك. كوقعٍ خام. كحلمٍ شمسيٍّ مراودٍ. ستعاودك، بنبرتها الملتبسة، كلَّ مرة تبدو فيها تلك الأرض، من نافذةِ طائرةٍ تبدأُ هبوطَها التدريجيَّ، بحراً من الصُفرة قلما تتخلله بقعة زرقاء أو خضراء. فها هو الجفاف الذي تذكَّرَتْك، في طقطقة هوائه وتحت لفحِ شمسه، شاعرةٌ في حلمٍ، أو ما يشبهه، لا يزال على حاله. ولكن هل تغيرتْ، تحت هذا الجفاف الوطيد، الكائناتُ والأشياءُ والاعتبارات؟ ما الذي تبقّى من ذلك البيت، من جوارٍ قديم، من البداوة والصحراء و'الأصالة' في أزمنة تُوَحِّدُها، عنوةً، علاماتٌ مسجلةٌ صارت أيقوناتٍ طائرةً لعصرك اللاهث؟ أكانت تلك الصحراء، التي انحفرت طبوغرافيتها المضللة في أقدام طفولاتٍ حافيةٍ، صحراءَ فعلاً؟
ستحاول، هنا، أن ترى وتتذكر وتحلم، فمن يعرف مونولوغاتك الطويلة سيتوقع، بلا شك، روائح كامنة وأشباحاً متراقصةً في خلفيتها. سيتوقع طرقاً وأبراجاً وبيوتاً مشرعة الأبواب وشاياً ونعنعاً وبرندات وحَبَّ هالٍ وبناتٍ في مراييلَ مقلَّمة وبناطيل شارلستون وقمصاناً مشجَّرةً وأشجار كينا مغبرَّةً وأغنياتٍ تقطع نياط القلوب ومراهقين مضحكين وآباء قساة ومروءاتٍ مفتعلةٍ، ورائحة صابون معطَّر ورسائل لم تُقرأ وأخرى لم تصل.
إنه أمرٌ سيىءٌ، لا أخفيك، أن تكون متوقَعاً إلى هذا الحد، بلا مفاجآت تُذكر. لكن لا تتزعزع كثيراً. حافظ على شيء من رباطة الجأش في وجه ملاحظةٍ مُحِقةٍ لا تخلو من خُبثٍ تعرف مصدره جيداً.

' ' '

هناك بداياتٌ عديدةٌ لتعقُّبِ خيوطٍ فلتتْ من أنوالٍ ظلَّت تدورُ بقوة الدفع:
البيت ذو الروائح السبع، ساحة اللعب الترابية بين أباريق الوضوء ومطارق الأعمام الرفيعة،
أعمدة الكهرباء التي قرأتَ تحت نورها العموميِّ رواياتٍ عن السفر والموت حبَّاً على قدمٍ واحدة،
النافذة ذات الدرفتين الخشبيتين التي تتمشّط أمامها بنت ستخرج عمّا قليل بمريولٍ مخططٍ بالأخضر وذيل فرس، الأرملة الشابة التي تتفقد صلابة نهديها تحت ثياب حداد إجبارية، صديق الطفولة والفرار من المدرسة الذي يحفظ أغاني أكثر من جدول الضرب، جامع أعقاب السجائر المزدهي بتشكيلته الفريدة من الروائح العطنة، كشَّاشُ الحّمَام الأفَّاق الذي يدرِّب طيراً جارحاً على التخفي كحمامةٍ وديعة،
المهووس بالرقائم والذهب الذي يخرج بفانوسه السحريّ ما إن ينام الناس ليقلّب عظاماً نخرَتْها القرون، القارىء النهم الذي يتقمَّص شخصيات الكتب يكون يوماً 'روبنسون كروزو' ويوما آخر سندباداً بحرياً يمتطي طائراً بحجم غمامة، إلخ إلخ. لكن البدايةَ التي تلوِّح لك الآن بقميصٍ مشجَّرٍ تركتَه يجفُّ على حبل غسيل ممدودٍ بين سروتين كامنةٌ هناك: في بيتٍ تغيرت هندسته المرتجلة وتناقص قاطنوه مع دوران عقارب ساعة أكثر دقة من 'بيغ بن'.
ترى، الآن، كأنَّ بمقدور الزمن أن يعود إلى الوراء، امرأةً ترتدي 'شرشاً' أسود بلا تطريز من أيّ نوعٍ، فهو ثوب العمل وليس الخروج من البيت، مع أن الفارق بين الاثنين لا يلحظ تقريباً. رأس المرأة ملفوف بـ 'طفخة' سوداء. بين النحر وفتحة الثوب 'ملفع' أسود أيضاً. امرأة نحيلة في الأربعين. أطول قليلا من جاراتها، وتلك ميزة أورثتها، بزهوٍ مضمرٍ، لبعض بناتها، فجهةُ الأب، قصيرةُ القامة، وقفت لذريته بالمرصاد. المرأة في حوش البيت. أمامها صاجٌ فوق أثافيه الثلاث، بجانبها مِعْجَن ألومنيوم كبير مغطى بشاشة بيضاء. تحت الصاج الحديديّ جمرٌ متوهج. ثمة شمسٌ تصعد بعزمٍ من شرقٍ أصفرَ مترامي الأطراف. نسمةُ صباحٍ باردةٍ تخفف وهجاً ينداحُ على شكل دوائر سراب صغيرة، لكن، مع ذلك، ثمة احمرار طفيف على خديّ المرأة الحنطيين. المرأة التي تبسمل بشفتين برتهما الأدعية والصلوات تمدُّ يدها إلى المِعْجن الكبير. تكشف الشاشة البيضاء. ثمة عجين فائر. بيدين تدربتا باكراً على استدراج البَركة تُمدّدُ قطعةً لدنةً بحجم قبضةٍ فتصبح قرصاً شفافاً يستقر على حدبةٍ ملتهبة. لا يطول الوقت حتى يحمرّ. تنزعه بيدها الأتوماتيكية. تضعه على مفرشٍ يسمى 'الثفال'. عشرات الأرغفة تتكوم على قطعة قماش قادمة مباشرة من 'المعلقات'، ولكن من دون أن يلصق أحدها بالآخر، وتلك مهارةٌ يقال إنها حَكرٌ عليها. الرائحةٌ التي تهبُّ من هناك تتأرجح بخفَّةٍ على إفريز الصباح، الرائحةُ نفسها التي سمتها جدتك ألذّ اللذيذ، أما أشدُّ الشديد فتركته لرفسة البغل أو غدر القريب. المرأة المقرفصة على هيئة غزالة مُعمِّرة، تنهض حاملة 'الثفال' إلى بيت تدبُّ فيه جلبةُ فريق كرة قدم. تشمُّ، الآنَ، كأنَّ هناك من يمنحك فرصةً ثانية رائحةَ خبزٍ تتغلغلُ في أركان البيت، وتصل إلى إخوتك التسعة تحت لحف القطن المجعدة. بعد رائحة الخبز هناك روائح أخرى تؤذن ببداية نهارٍ عاديٍّ سيعبرُ، بلا تلكؤٍ، أطواره الثلاثة.
لهذا الوصف، الذي لا يتبرأُ من شبهة الحنين، أو الندم، أن يكون نموذجياً للصباحات التي عشتَها، أو يخيل إليك، بالقرب من جادةٍ حسبتَ 'خراباتها' مكاناً للعب والهرب من المدرسة وربما مسكناً آمناً للعفاريت. غادرتَ في سفرٍ لم تعرف، لحظتها، كم سيطول، لكنَّ عمرك الذي قطع الأيام كسهمٍ طائشٍ، يخبرك أنه تجاوز الثلاثين، عاماً بعد عامٍ بعد عام، وبلداً بعد بلدٍ بعد بلد. تمكن إضافة صورة أخرى إلى المشهد النوستالجي المستعاد من ذاكرة حرونٍ كي يبلغ الندمُ أقصاه: المرأة نفسها جالسة على الأرض. أمامها 'شكوة' في حجم جَدْيٍّ ابن ثلاثة أعوام أو أربعة. يداها تخضَّان الجلد المنفوخ. يُسمع منه صوتُ سائلٍ حامضٍ يرتطم بانتظامٍ في الداخل. يدان منهمكتان في إقامة الأَوَد. عينان غائمتان. هيئة شاردة على هيئة غزالة معمِّرة. لا تعرف بِمَ تفكِّر. التربية التي تعتبرُ العاطفةَ عيباً تمنعك من سؤالها. لا تسأل. لا تعرف. فات أوان السؤال الآن، فمَنْ كان عليك سؤالها عن محتويات صندوق رأسها المغلق لم يعد ذلك ممكناً.
02 02 2012 القدس العربي
توقيع :عيسي عبد القادر
gazali

02-02-2012 10:53 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
رشيد الوهراني
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 06-10-2011
رقم العضوية : 163
المشاركات : 348
الدولة : الجزائر
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 207
 offline 
look/images/icons/i1.gif كلمة السرِّ المفقودة!
جزاك الله كل خير على المشاركات




الكلمات الدلالية
كلمة ، السرِّ ، المفقودة! ،


 







الساعة الآن 08:50 مساء