أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات بن ناصر، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





مسالك العلة:

مسالك العلة: وهي الطرق التي يُعرَف بها ما اعتبره الشارعُ علةً، وما لم يعتبره علة. وقد ثبت بالاستقراء أنَّ عِلل الأحك ..



02-12-2011 08:52 صباحا
عيسي عبد القادر
rating
الأوسمة:4
وسام العطاء
وسام العطاء
وسام القلم المميز
وسام القلم المميز
وسام المشرف المميز
وسام المشرف المميز
وسام الإشراف
وسام الإشراف
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 31-10-2011
رقم العضوية : 176
المشاركات : 2102
الجنس : ذكر
الدعوات : 4
قوة السمعة : 7859
الدولة : الجزائر
 offline 
مسالك العلة:

وهي الطرق التي يُعرَف بها ما اعتبره الشارعُ علةً، وما لم يعتبره علة.



وقد ثبت بالاستقراء أنَّ عِلل الأحكام تشتق من النصوص، أو من الإجماع، أو من الاستنباط الفقهي من مجموع الأحكام الشرعية.



1- فمنَ العِلَل التي تثبت بالنص الإسكارُ من حيث هو علة التحريم؛ فمن القرآن الكريم قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، ومنَ السُّنَّة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما جُعل الإذن لأجل البصر))؛ رواه النَّسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ولفظه: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)).



2- ومن العلل التي تثبت بالإجماع تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في الميراث؛ بسبب رجحانه بقرابة الأم، فيكون بالقياس يقدم ابن العم الشقيق على ابن العم لأب، وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ لأب، وبالقياس يثبت تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في الولاية.



3- إذا لَم يكن نص يبين العلة أو يومئ إليها، فإن الطريق لتَعَرُّفِها يكون الاجتهاد الفقهي بتعريف الأوصاف المختلفة في المحكوم فيه، وتعرُّف أيها يصلح وصفًا يكون مناسبًا للحكم، فمثلاً إذا ورد في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فطالَبَه بكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فلا شك أن النص معلل، ولكن ما هي علته؟ أتعتبر العلة لكونه واقعًا في نهار رمضان؟ أم مجرد الإفطار؟



ويسمى هذا تنقيح المناط، وهناك فرق بينه وبين تخريج المناط، وتحقيق المناط.



ويقصد به - أي: تنقيح المناط - أن يكون هناك علة للحكم قد تُستفاد من مجموع ما اشتمل عليه، فيتعرف الوصف الذي يصلح علة من بين هذه الأوصاف، ويستبعد الوصف الذي يكون غير مناسب، حتى ينتهي المجتهد إلى الوصف المناسب الذي يصلح علة.



♦ أما تخْريج المناط، فهو تعرف الوصف الذي يصلح علة، إذا لم يكن هناك بيان للعلة من النصوص بالعبارة أو الإشارة أو الإيماء، ولم يكن إجماع على علة؛ كاستنباط أن القتل الموجب للقصاص هو القتل المقصود بآلةٍ من شأنها أن تقتل عادة، فيثبت الحكم في كل قتل بأية آلة لها هذا الشأن؛ سواء كانت مستعملة في عصر التنْزيل أم لا.

♦ وأما تحقيق المناط، فهو النظر في معرفة وجوده في آحاد الصور التي ينطبق عليها وتدخل في عمومها، بعد أن تكون العلة نفسها قد عرفت بطرق المعرفة المختلفة؛ كالعدالة، فإنها مناط الإلزام في الشهادة.



والحق أن تعرف العلل واستخراجها من النصوص والأحكام، هو عمل الفقيه الحاذق، الذي عالج النصوص، وتحرَّى فهمها فهمًا عميقًا، وعرف مقاصد الشريعة في عمومها وفي خصوصها.



3- الإجماع: وهو الدليل[46] الثالث الذي يلي النصوص في القوة والاحتجاج، وهو يَعتَمِدُ عليها، وهو لا يَنْسَخ ولا يُنْسَخ، وهو اتِّفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على حكم شرعي في أمرٍ منَ الأُمُور العمليَّة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين.



وهم - أي: أهل السنة والجماعة - يزنون بهذه الأصول الثلاثة - الكتاب والسنة والإجماع - جميع ما عليه الناس من أقوالٍ وأعمال، باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط: هو ما كان عليه السلَف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمَّة"[47]؛ انتهى.



مراتب الإجماع ثلاثة:

المرتبة الأولى: الإجماع الصريح: وهو الذي اتفق جمهور الفقهاء على حجيته، وهو أن يصرح كل واحد من المجتهدين بقبول ذلك الرأي المنعقد عليه.

المرتبة الثانية: الإجماع السكوتي: وهو أن يذهب واحد من أهل الاجتهاد إلى رأي، ويعرف في عصره، ولا ينكر عليه منكر، وهو حجة، ولكن دون الإجماع الصريح في القوة.

المرتبة الثالثة: وهي أن يختلف الفقهاء في عصر من العصور على جملة آراء، فلا يصح أن يأتي شخص برأي يناقض آراءهم جميعًا، إذا كان هناك مع الاختلاف اتفاق على أصل.



ومثاله: مسألة ميراث الجد مع الإخوة، فحكمه كما يلي:

يُعطى مثل الإخوة، على ألا يقل عن الثلُث.

يُعطى مثل الإخوة، على ألا يقل عنِ السدُس.

يرث ويسقط ميراث الإخوة بوجوده.



فمع اختلافهم في كيفية القسمة له، لكن اتفقوا على أنه لا بد وأن يرث، فلا يصح أن يجيء فقيه فيقرر أنه لا يرث؛ لأنه يكون بذلك مخالفًا للإجماع، ومخالفة الإجماع ضلالة وشذوذ عن جماعة أهل السنة.



وقد عدَّ بعض العلماء ذلك الإجماع ضمن الإجماع السكوتي؛ كالحنفيَّة.



(تنبيه):

الإجْماع لا يتكوَّن إلا من المجتهدين ممن لا يدْعون إلى بدعهم؛ كالروافض، والخوارج، بخلاف مَنْ نسب إليهم الكلام والخوض في القدر أو نُسبوا إلى الإرجاء، فإن هذا لا يخرج بهم عن صفوف أهل الإجماع.



والمجتهد المعتبر: هو العارف بمسائل الفقه وأدلتها.



4- فتوى الصحابة:

والصحابي: هو مَنْ لقي[48] النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا ومات على ذلك، وإن لم يره؛ كابن أم مكتوم - رضي الله عنه - ولو تخلَّل ذلك ردَّة - والعياذ بالله تعالى.



والصحابة - رضي الله عنهم -: هم الذين شاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقلوا عنه الرِّسالة المحمديَّة الغراء، وهم الذين سمعوا منه بيان الشريعة، ولذلك قرَّر جُمهور الفقهاء أن أقوالهم حجة بعد النصوص، وفتوى الصحابي لا تخرج عن ستة وجوه[49]:

أحدهما: أن يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها.

الثالث: أن يكون فهمها من آية في كتاب الله - تعالى - فهمًا خفي علينا.

الرابع: أن يكون قد اتفق عليه ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي وحده.

الخامس: أن يكون رأيه لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان لصحبته النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهوده التنزيل، فيكون فهم ما لا نفهمه.

وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة علينا.

السادس: أن يكونَ فهم ما لَم يروه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ في فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.



ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا ما لا يشك فيه عاقل؛ ولذلك يفيد ظنًّا غالبًا قويًّا على الصواب في قوله، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين ويكفي العارف هذا الوجه.



وقد علَّق الشيخ محمد أبو زَهْرَة على ذلك بقوله:

"هذا، وإن المأثور عن الأئمة الأربعة أنهم يتبعون أقوال الصحابة ولا يخرجون عنها"[50]؛ انتهى.



5- القياس:

وهو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه؛ للاشتراك بينهما في علة الحكم، ومثاله ما يلي:

الأصل: الخمر.

حكمها (التحريم).

العلة (الإسكار وذهاب العقل).



الفرع: الحشيشة وسائر المُخَدِّرات.

حكمها (التحريم).

العلة (الإسكار وذهاب العقل).



فهنا تلحق الحشيشة وسائر المخدرات بحكم الخمر من التحريم؛ لاتِّفاقهما في علة ذهاب العقل.



والقياس من باب الخضوع لحكم التماثُل بين الأمور الذي يوجب التماثُل في أحكامها.



ولقد لَخَّص ذلك الإمام ابن القيِّم (ت 751 هـ) في "إعلام الموقعين" بقوله: "ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، فلو جاز التفْريق بين المتماثلين، لانسدتْ طرُق الاستدلال وغلقت أبوابه"[51]؛ انتهى.



وأركان القياس أربعة، وهي:

الأصل: وهو المصدر الذي يبين الحكم الذي يقاس عليه الفرع.

الفرع: وهو الموضوع الذي لم ينص على حكمه.

الحكم: وهو الذي اتجه القياس إلى تعدِّيه من الأصل إلى الفرع.

العلة: وهي التي قام عليها القياس، وهي ركن القياس وأساسه، وتُعرَّف العلة على أنها: "وصف ظاهر منضبط مناسب للحكم؛ كالإسكار وذهاب العقل بالنسبة للخمر".



أقسام القياس[52]:

قال الشيخ ابن عثيمين:

واعلم - رحمك الله - أنَّ القياس اختلف العلماء - رحمهم الله - في مورد التقسيم فيه، فمنهم من قسمه على ما مشى عليه المؤلف[53]، ومنهم من قسمه على وجْهٍ آخر، فقال: القياس نوعان: جليٌّ وخفيٌّ، وطرد وعكس.



فالقياس الجلي: هو الواضح الذي ثبتت علتُه بالنص، أو بما لا مجال للشكِّ فيه.



مثاله: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ فإن ذلك يحزنه))، فهنا نصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أن علة النص هي إحزان الأخ الثالث، فإذا وجد إحزان لأخيك في غير التناجي ثبت النهي؛ لوجود علة الإحزان، فكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: كل ما يحزن أخاك فهو حرام، وهذا قياس جلي.



مثال آخر: ما رواه البخاري ومسلم - رحمهما الله عز وجل - عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، ففي هذا الحديث رأى حذيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الانتباه من نوم الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضًا عند الانتباه من نوم النهار؛ لأنَّ العلَّة واحدة، وهي تغيُّر الفم بالنوم، فعلى هذا يتأكَّد السواك عند الانتباه مطلقًا، كما هو مذهب الحنابلة - رحمهم الله - بالدليل في نوم الليل، وبالقياس في نوم النهار.



واعلم أن القياس الواضح الجلي يعبر عنه بعض أهل العلم - كشيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - بالعموم المعنوي[54]؛ لأن العموم يكون بالألفاظ، وقد يكون بالمعاني، بمعنى أننا إذا تيقنَّا أو غلب على ظننا أن هذا المعنى الذي جاء به النص، يشمل هذا المعنى الذي لم يدخل في النص لفظًا، فإننا نقول: دخل فيه العموم المعنوي.



أما القياس الخفيُّ، فهو ذو العلة الخفيَّة، ولذلك يختلف العلماء في تحديدها.



مثاله: قياس الرُّزِّ على البُرِّ في ثبوت الربا.



الرُّزُّ لَم ينص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل يقاس على البُرِّ؛ لأنهما في المطعوم، أو لا يقاس؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عيَّن كما في الصحيحين؟

الجواب: فيه احتمال، ولهذا نُسمي مثل هذا القياس قياسًا خفيًّا.



وأمَّا قياس الطرد، فهو أن يُقاس النظير على نظيره.

وقياس العكس: أن يقاس الشيء على ضده.



ومثاله: ما رواه أحمد ومسلم والنَّسائي - رحمهم الله - عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وفي بُضْع أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجر)).



قوله - رحمه الله -[55]: لعلةٍ أضفْه، المراد قياس العلة.

وقوله - رحمه الله -: أو دلالهْ، المراد قياس الدلالة.

وقوله - رحمه الله -: وشَبَه، المراد قياس الشبه.



فهذه ثلاثة أنواع للقياس، أقواها قياس العلة، ثم قياس الدلالة، ثم قياس الشبه.



أول أقسام القياس: وهو قياس العلة[56]، وهو ما كانت العلة فيه موجبة للحكم؛ أي: مقتضية له، بأن يكون المَقِيس (الفرع) أولى بالحكم من المَقِيس عليه (الأصل)؛ مثاله: قال - تعالى - في الوالدين: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الاسراء: 23].

﴿ أُفّ ﴾: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، فلا تتضجر حتى وإن أثقلا عليك، اصبر واحتسب، ولا تنهرهما باللسان إذا سألاك شيئًا؛ قال - تعالى -: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 10].



وقال - تعالى -: ﴿ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: قولاً حسنًا حسب ما يقتضيه الحال؛ لأن حق الوالدين أعظم الحقوق بعد حقِّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا جاء إنسان، وأمره أبوه بشيء، أو أمُّه ففعل، ثم أمره ثانية ففعل، ثم أمره ثالثة، فقال: أف، فهذا حرام، فأمره الرابعة فضربه، فهذا أشد من التحريم، مع أن الضرب ليس موجودًا النهيُ عنه في الآية، ولكن إذا حرم التأفف، حرم الضرب من باب أولى؛ لأن العلة الإيذاء، وأنت إذا ضربت الوالدين آذيتهما حسًّا ومعنًى؛ أي: آذيت الجسد والقلب، وإذا قلت: أف، آذيت القلب فقط، فما يحصل به إيذاء القلب والبدن، أعظم مما يحصل به إيذاء القلب فقط.



إذًا هذا قياس علة؛ لأن الفرع أوْلى بالحكم من الأصل، وهذا يُسَمَّى أيضًا قياس الأَوْلى، فكل قياس أولى، فهو قياس علة.



مثال آخر: قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾ [النساء: 10]، فجاء إنسان فقال: نهى الله عن الأكل، وأنا لن آكلها، ولكني سأحرقها، نقول: إحراقها أشد تحريمًا من أكلها؛ لأنَّ أكلها ليس فيه إضاعة مال، وإحراقها فيه إضاعة للمال وإفساد له، ومع ذلك فيه أكل لمال اليتامى، فيكون تحريم الإحراق من باب أولى، ويكون هذا قياس علَّة.



مثال ثالث: امرأة بِكْر قيل لها: أتريدين أن تتزوجي فلانًا؟ قالت: نعم، ففي هذه الحالة نزوجها هذا الرجل، ونقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في البكر: ((إذنها أن تسكت))؛ رواه البخاري ومسلم، فإذا كانت تزوَّج إذا سكتت، فمن باب أولى إذا تكلمتْ بالموافقة، وهذا هو قياس العلة.



مثال رابع: روى مسلم - رحمه الله - عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، حتى تختلطوا بالناس؛ فإن ذلك يحزنه)).



ففي هذا الحديث نهى - صلى الله عليه وسلم - القوم إذا كانوا ثلاثة أن يتناجَى اثنان دون الثالث؛ من أجل إحزانه، فإذا تكلم رجلان ومعهما ثالث، وصار يشتمان هذا الثالث علنًا، فلا شكَّ أن هذا أشد إحزانًا له؛ لأنَّه في حالة التناجي يقول: ربما كانا يتكلمان فيَّ أو فِي غيري.



إذًا رفع الصوت بسبِّه وشتمه حرام؛ لأنه أشد إحزانًا له، فصار الضابط في قياس العلة أنه ما كان المقيس أولى بالحكم من المقيس عليه.



الثاني: قياس الدلالة:

فقياسُ الدلالة هو أن يكونَ الحكم في المقيس نظيرَ الحكم في المقيس عليه، يعني: هما سواء، فيستدل بهذا على نظيره، وعَليه فيكون قياس الدلالة أضعف من قياس العلة؛ لأنَّ العلَّة في قياس العلة موجبةٌ للحُكم.



أما قياس الدلالة، فإنَّ الدَّليل مجوز للحكم، أي: مجوز لنقل الحكم من المقيس عليه إلى المقيس؛ لأنه نظير بنظيره، وليس كدلالة العلة؛ إذ من الجائز أن يكون لهذا النظير معنى خاص يمنع الإلحاق، وهو غير معلوم لنا.



ومثاله: قول المؤلفُ - رحمه الله تعالى -:
كَقَولِنَا مَالُ الصَّبِيِّ تَلْزَمُ
زَكاتُهُ كَبَالِغٍ أيْ لِلنُّمُو

اختلف أهل العلم - رحمهم الله - في حكم الزكاة في مال الصبي، هل تجب أو لا؟ أما الزكاة في مال البالغ، فواجبة بالاتفاق.



فإذا قال قائل بقياس مال الصبي في وجوب الزكاة على مال البالغ في وجوب الزكاة، والعلة النمو، فكل منهما مالٌ نامٍ، فالثمار والغنم والإبل والبقر وعروض التجارة، تجب زكاتها إذا كانتْ لبالغ، فتجب زكاتها إذا كانت لصبي، والعلة النمُو.

أما إذا قلنا: إنها ثابتة بالنص - وهو الصحيح - فلا حاجة للقياس.



والزكاة في مال الصبي واجبة بالنص؛ لأن الزكاة حق المال، كما ورد ذلك في الكتاب، قال - تعالى -: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ [التوبة: 103]، ولَم يقلْ: خذ منهم.



وبذلك أيضًا وردت السنة، ففي حديث معاذ المتفق عليه، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أرسله إلى اليمن: ((أعْلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم)).



وقال أبو بكر - رضي الله عنه - كما في صحيح مسلم في حديث الردة: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنَّ الزكاة حق المال"، فوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بالنص.



لكن لو أن أحدًا ترك الاستدلال بالنص، وقال: أنا أريد أن أثبت ذلك بالقياس أيضًا، فإنه يقول: أوجب الزكاة في مال الصبي قياسًا على وجوب الزكاة في مال البالغ، بجامع وجود النمو في كلٍّ منهما.



مثال آخر على قياس الدلالة:

قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، فجاء إنسان وشرب من ماء اليتيم، أو اكتسى بثوبه ظلمًا، فهذا أيضًا يحرم، وإن كانت الآية في الأكل، فالشربُ مثله، واللباس مثله، وهذا قياس دلالة؛ لأنه استدلال بالنظير على نظيره.



الثالث: قياس الشَّبَه:

وقياس الشبه هو تردُّد الفرع بين أصلَيْن مختلفين في الحكم، فيلحق بأكثرهما شبهًا.



وضرب المؤلف - رحمه الله - مثالاً بقوله:
فَلْيَلْحَقِ الرَّقِيقُ فِي الإِتْلافِ
بِالمَالِ لاَ بِالحُرِّ فِي الأَوْصَافِ

فالرقيق يشبه الحر في حقوق الله - عز وجل - فالتوحيد والشهادة للرسول بالرسالة وإقامة الصلاة والصيام، واجبات عليه، أما الزكاة والحج فلا؛ لأنه ليس له مال.



وكذلك يشبه الرقيق البهيمة في كونه يباع ويشترى، ويرهن ويوهب، ويوقف.



فإذا أتلف - يعني: قتل رجلاً خطأ - فهل يضمن بالدية قياسًا على الحر؟ أو بالقيمة قياسًا على البهيمة؟

نقول: في ذلك تفصيل، ففي باب المعاوضات نجد أنه أكثر شبهًا بالبهيمة؛ لأن الحر لا يمكن أن يباع، ولا يرهن، ولا يوقف، وفي باب العبادات أشبه بالحر.



والمسألة ليستْ مسألة عبادات، ولكنها مسألة ضمان ومعاوضات، فإذا أتلف العبد، وقارنَّا بين الحر وبين البهيمة وجدنا أنه أقرب إلى البهيمة في باب الإتلاف، وعلى هذا فيضمن بالقيمة، فتكون ديته قيمته، سواء كانت مثل دية الحر، أو أقل، أو أكثر.



وعلى هذا، فلو كان العبد المقتول شابًّا قويًّا، ذا علم وعقل ومروءة، وشيخًا كبيرًا عاجزًا أصم أبكم عالة على الغير، فالدية ستختلف بينهما اختلافًا عظيمًا، فدية الشاب قد تكون مليون ريال، ودية الشيخ العاجز قد لا تتعدى عشرة ريالات، ولو كان هذا بين حُرَّيْنِ لم تختلف الدية، كلاهما مائة من الإبل.



ويقول الشيخ محمد أبو زَهْرَة[57]:

يقسم القياس من حيث مراتبه إلى أقسام ثلاثة:

أولها: قياس الأولى، وهو أن يكون المعنى الذي شرع لأجله - وهو العلة - في الفرع أقوى من الأصل؛ مثل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله حرَّم من المؤمن دمه، وأن يظن به إلا خيرًا))، رواه ابن ماجَهْ بإسناد حسن.



فإن هذا يفهم منه حكم قول المكلف في المؤمن غير الخير، فإنه إذا كان لا يظن بالمؤمن إلا خيرًا، فأولى ألا يقال فيه إلا خيرًا، وهذا يسمى قياس الأولى، وقد علمنا أنه يعد من دلالة النص، وأشار الشافعي في "الرسالة" إلى أن بعض العلماء لا يعده من القياس.



الثاني: أن يكون الوصف الذي اعتُبر علةً للحكم متحققًا في الفرع بقدر ما يتحقق في الأصل، وذلك مثل قياس العبد على الأمَة في تنصيف العقوبة، فإذا قال - تعالى -: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [النساء: 25]، فالقياس يثبت التنصيف على العبد، وأكثر العلماء على أن ذلك من دلالة النص؛ بل من دلالة العبارة نفسها؛ ولذلك أقر هذا مَن نَفَوُا القياس، وقالوا: إن هذا من قَبِيل المساواة بين الرجل والمرأة في التكليفات الشرعية، إلا ما قام الدليل فيه على وجوب التفاوت بنص.



الثالث: أن يكون تحقق العلة في الفرع أقلَّ وضوحًا من تحققها في الأصل؛ كالإسكار في بعض الأنبذة، فإنه ليس كقوة الإسكار في الخمر، ولكن ذلك لا يمنع استقامة التعليل؛ لأن المنصوص عليه دائمًا يكون أوضح في الدلالة على العلة، وهذا يوجب أن يكون تحققها فيه أوضح.



ويقسم الشافعي القياس من ناحية أخرى، وهي من حيث ما يلتحق به الفرع من الأصل، فيذكر أن القياس نوعان: قياس المعنى، وقياس الشبه.



وقياس المعنى أن يكون الأصل الذي يرجع إليه الفرع واحدًا؛ وذلك لأن الفرع في معنى الأصل من حيث الأمر الذي شرع من أجله الحكم؛ كالأقسام التي ذكرناها، فإن المعنى في الفرع هو ذات المعنى الذي من أجله ثبت الحكم في الأصل، فالاشتراك واضح بَيِّن.



وقياس الشَّبَه: أن يكون الفرع الذي يُعرف حكمه بالرجوع إلى الأصول المنصوص عليها، له في هذه الأصول أشباه، فيرد المجتهد الفرع إلى أقرب هذه الأصول شبهًا به، ويكون فيه تحقيق مقاصد الشارع، ومثال ذلك: شراب عصير القصب، فإننا إذا أردنا حكمه من النصوص وردَّه إلى أصل من أصول الأحكام، ترددنا أنلحقه بالخمر؛ لأنه يسكر أحيانًا؟ أم نلحقه بالشراب المباح، باعتبار أن السكر فيه ليس من طبيعته؟ فيقرر الفقيه أن يلحقه بالخمر إن تخمَّر، فإنَّ الإسكار يكون من شأنه، ويلحقه بالشراب المباح إن لم يتخمر، ويقول الشافعي في هذا القسم: "يكون الشيء له في الأصول أشباه مختلفة، فذلك يلحق بأولاها به وأكثرها شبهًا فيه، وقد يختلف القايسون في هذا"[58].



وقد ضرب الشافعيُّ - رضي الله عنه - أمثلةً لقياس الشبه الذي تتنازعه عدة أُصُول؛ منها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في عبدٍ دلس للمبتاع بعيب، فظهر عليه بعدما استغله، بأن للمبتاع ردَّه بالعيب، وله حبس الغلة لضمان العين، فالحديث قضى بأن الغلة ما دامتْ قد حدثت في ضمان المشتري، ولم يكن لها جزء مقابل من الثمن، فهي ملك للمشتري، فقاس الشافعي هذه الزيادة المتولدة على كلِّ زيادة متولدة، فثمر النخل، ولبن الماشية، وصوفها ونتاجها، كل هذا يكون ملكًا للمشتري، إذا حدث بعد البيع، وقبل الفسخ بخيار العيب؛ لأنه حدث في ضمانه.



هذا ما قرَّره الشافعي، ولكنَّ آخرين لم يلحقوا الزيادة المتولدة بالكسب والغلة؛ لأنها ملحقة بالعين، فلا ينطبق عليها الأصل المقرر "الخراج بالضمان".



والخلاصة أن الزيادة المتولدة يتنازعها قياسان:

أحدهما: قياسها على الكسب، فلا ترد؛ للمشابهة التامة بين الزيادتين، من حيث إنَّ كلتيهما حدثتْ في ملكه، فالزيادة في الملكيَّة هي علة استحقاقها.

والقياس الثاني: أن تقاس المتولدة على العين؛ لأنها مشتقة من ذاتها، وبما أن العين ردت فيرد ما هو مثلها.



بناء القياس على الحكمة:

الفرْق بين العلَّة والحكمة هو أن (العلة): وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم، أما (الحكمة) فهي: وصْف مناسب للحكم يتحقَّق في أكثر الأحوال، وهو غير منضبط، وغير محدود.



وجمهور الفقهاء على أن الأحكام تُناط بالعلة لا بالحكمة، ولكن جرى على أقلام بعض الكتاب التعليل بالحكمة، واعتبار الحكمة مناطًا للأقيسة المختلفة، وقد جرى ذلك في عبارات بعض كتب الفقه الحنفي، وجرى ذلك في غيره من المذاهب، ولكن الذين أكثروا من ذلك فقهاء المذهب الحنبلي، وقد تصدى لبيان هذا النوع من القياس ابن تيميَّة وتلميذه ابن القيم.



ولذلك اعتبروا أن الوصف المناسب يكون علة للقياس، من غير نظر إلى كونه منضبطًا أو غير منضبط، وقرروا أنه لا يُمكن أن يكون نص قرآني أو نبوي إلا وله حكمة واضحة، ومصلحة مشروعة، وبها تُناط الأحكام، وهذه المصلحة المشروعة هي التي تربط بها الأشباه والنظائر.



وقد بنى كلامه ذلك على أساس أن النصوص تعلل بالمصالح التي تطوى في ثناياها؛ سواء أكانت منضبطة، أو غير منضبطة، وإذا كانت المصلحة أصلاً يُقاس عليه، فإنهم يثبتون كل شيء في مصلحة معتبرة، وتكون معتبرة ما دام لَم يقمْ دليل من الشارع على اعتبار هذه المصلحة؛ إذ إن إلغاء الشارع لها دليل على أن اعتبارها مصلحة باطلٌ، وأنه نزعة هوى.



(لطيفة):

يجب على المسلم تقديم حكم الرسول المعصوم - صلى الله عليه وسلم - على أي حكم أو قياس عارضه، وهذا من الأدب معه - صلى الله عليه وسلم - كما قال الإمام ابن القيِّم: "ومن الأدب معه - صلى الله عليه وسلم - ألا يستشكل قوله؛ بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يُعارَض نصُّهُ بقياس؛ بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه - صلى الله عليه وسلم"[59]، وهذا مِنْ أسمى معاني: أشهد أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



6 - الاستحسان: وقد أخذ به الأحناف والمالكية، وعرَّفه الإمام أبو الحسن الكَرْخِي الحنفي (340 هـ) بقوله: "هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثْل ما حكم به في نظائرها؛ لوَجْه أقوى، يقتضي العدول عن الأول".



وأما عند المالكية، فعرفه الإمام أبو بكر بن العربي (ت 543 هـ) بقوله: "الاستحسان: إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته، لمعارضته دليلاً آخر في بعض مقتضياته، وقسمه إلى أربعة أقسام هي: ترك الدليل للعرف، وتركه للإجماع، وتركه للمصلحة، وتركه للتيسير ودفع المشقة[60]".



7- العُرْف: وهو لفهم الشريعة لا للتشريع المستقل، فهذا أيضًا أصلٌ أخذ به الحنفية والمالكية في غير موضع النص.



والعرف: ما اعتاده الناس من معاملاتهم واستقامتْ عليه أمورهم، وعندهما أن الثابت بالعرف الصحيح غير الفاسد، ثابتٌ بدليل شرعي، كما في "المبسوط"؛ للإمام السَّرَخْسِي[61] (ت 483 هـ): "الثابت بالعرف كالثابت بالنص" انتهى[62]، وقد علَّق على ذلك الشيخ محمد أبو زَهْرَة في "أصول الفقه": "ولعل معناه: أن الثابت بالعُرف ثابتٌ بدليل يعتمد عليه كالنص حيث لا نص[63]"؛ انتهى.



ثم قال: "وعلى ذلك نقول: إنَّ العُرف قسمان: عرف فاسد لا يؤخذ به، وهو الذي يخالف نصًّا قطعيًّا، فإن هذا يرد.



والقسم الثاني: عرف صحيح، فإنه يؤخذ به ويعتبر الأخذ به أخذًا بأصْل مِنْ أُصُول الشرع"؛ انتهى.



ولذلك قرَّر الإمام ابن القيِّم مراعاة المفتي للعُرْف؛ فقال حاضًّا المفتي: "لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ، بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها، فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية، فمتى لَم يفعل ذلك ضلَّ وأضل"[64]؛ انتهى.



فكل من السفر وقبض الرهن الذي جاء بهما الشرْع المطهَّر، لَم يرد دليل صحيح في كيفيَّة تحديد هذَيْن الأمرَيْن، فصار الرجوع للعُرف لفَهْم النُّصوص الشرعية.



فكل ما عدَّه الناس سفرًا تَجري عليْه أحكام السفر؛ من الفطر، والقصر والجمع، والجمعة والجماعة، والتطوعات، وكذلك قبض الرهان.



8- المصالح المرْسلة: عرَّفها ومثَّل لها الشيخ عبدالوهاب خلاف (ت 1375هـ، 1956 م) بقوله: "المصلحة المرسلة - أي: المطلقة - في اصطلاح الأصوليين:

المصلحة التي لم يشرع الشارع حكمًا لتحقيقها، ولَم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وسُمِّيت مطلقة؛ لأنها لَم تَتَقَيَّد بدليل اعتبار، أو دليل إلغاء.



ومثالها: المصلحة التي شرع لأجلها الصحابة اتِّخاذ السجون، أو ضرب النقود، أو إبقاء الأرض الزراعية التي فتحوها في أيدي أهلها، ووضع الخراج عليها، أو غير هذا من المصالح التي اقتضتْها الضرورات أو الحاجات أو التحسينات، ولم تشرع أحكام لها، ولَم يشهد شاهد شرعي باعتبارها أو إلغائها[65]"؛ انتهى.



وقال الشيخ محمد أبو زَهْرَة: "والمصالح المعتبرة هي المصالح الحقيقية، وهي ترْجع إلى أمورٍ خمسة:

حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال؛ لأن هذه الأمور بها قِوامُ الدنيا التي يعيش فيها الإنسان، ولا يحيا حياة تليق به إلا بها[66]"؛ انتهى.

"والإمام مالك هو الذي حمل لواء الأخْذ بالمصلحة المرسلة[67]"؛ انتهى.



ومن أشهر المسائل التي استدل بها المالكية فعل الصحابة - رضي الله عنهم - كما يلي:

1 - جمع القرآن الكريم.

2 - كان عمر - رضي الله عنه - يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم.

4 - إراقة عمر - رضي الله عنه - اللبن المغشوش بالماء.

5 - ما قرَّره الصحابة - رضي الله عنهم - من قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله.

6 - ولاية العهْد من أبي بكر لعُمر - رضي الله عنهما.

7 - التَّوْسِعة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم.

9- سد الذرائع:

وهذا الأصل ذكرتْه الكُتُب المالكية والحنبلية، وهو مقرر ضمن الفقه الحنفي والشافعي، على اختلاف في بعض أقسامه.



والذريعة معناها: الوسيلة، والذرائع في لُغة الشرعيين: ما يكون طريقًا لمحرم أو لمحلل، فإنه يأخذ حكمه، فالطريق إلى الحرام حرام، والطريق إلى المباح مباح، وما لا يؤدَّى الواجبُ إلا به فهو واجب.

فمثلاً: الزنا حرام، والنظر إلى عورة المرأة الذي يفضي إليه حرام أيضًا.



والجمعة فرض، فترك البيع لأجل أدائها واجب؛ لأنه ذريعة.



والحج فرض، والسَّعي إليه فرْض مثله عند القدرة عليه.



فالأصل في اعتبار الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، ومما جاء في الشريعة سدًّا للذريعة قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ﴾ [البقرة: 104] وكان النَّهي؛ لأن اليهود اتخذوا من قول (راعنا) شتمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي: من الرُّعُونة - فنُهِيَ المسلمون عن النطق بها؛ سدًّا للذريعة، مع أن قصد المسلمين من راعنا: أي أرعنا سَمْعَكَ.



ومن السنة كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتْل المنافقين مع ظهورهم ووضعهم الفتن خلال المسلمين في الشدائد؛ لأنَّ قتلهم ذريعة لأن يقال: إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه، كما ثبت ذلك في الصحيحَيْن.



وذلك يطمع الكافرين في المؤمنين، فيجعلهم يصرون على الجحود والعناد؛ رجاء أن يجدوا ضعفًا.



والذريعة كما هي لدفع الفساد، هي أيضًا لجلب المنافع؛ كالسعي للجمعة.



وأصل سد الذريعة قد أخذ به فقهاء المسلمين، كما قال الشيخ محمد أبو زَهْرَة: "الذرائع أصل في الفقه الإسلامي أخذ به الفقهاء جميعًا، وإنهم اختلفوا في مقداره، ولَم يختلفوا في أنه أصل مُقرر ثابت، ومن المسائل التي تعد الأحكام بالإباحة فيها من قَبِيل الأخذ بالذرائع ما يأتي:

أ - دفع مال فداء للأسرى من المسلمين، فإن أصل دفع مال للمحارب محرَّم؛ لما فيه من تقوية له، ولكنه أجيز؛ لأنه يتحقق من ورائه حرية طائفة من المسلمين.

ب- دفع المسلمين مالاً لدولة محارِبة لدفْع أذاها.

ج - الرشوة لدفع الظلم إذا لَم يقدر على دفعه إلا بها (وتكون صورتها صورة رشوة، والإثم على الآخذ).

د - إعطاء المال لمن يقطعون الطريق على الحجاج[68]"؛ انتهى.



ثم ختم الشيخ أبو زَهْرَة: "وبهذا ننْتهي إلى أن المكلف عليه أن يتعرف في الأخْذ بالذرائع مضار الأخذ ومضار الترك، ويراجح بينهما، وأيهما رجح أخذ به[69]"؛ انتهى.



10- الاستصحاب:

ومعناه المصاحبة، أو استمرار الصُّحبة.



أما معناه اصطلاحًا، فكما قال الإمام ابن القيم: "استدامة ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا[70]"؛ انتهى.



أي: بقاء الحكم نفيًا وإثباتًا، حتى يقوم دليل على تغيير الحال، فهذه الاستدامة لا تحتاج إلى دليل إيجادي؛ بل تستمر حتى يقوم دليل مغير.



ومثال ذلك: إذا ثبتت الملكية في عين بدليل يدل على حدوثها؛ كشراء أو ميراث أو هبة أو وصية، فإنها تستمر، حتى يوجد دليل على نقْل الملكيَّة أو غيره، ولا يكفي احتمال البيع.

ومثله: من عُلِمت حياته، حتى توجد إمارات تدل على الوفاة، وكذلك الإباحة في المطعومات، حتى يقوم دليل التحريم، وعكسه بقاء التحريم بين الرجل والمرأة، حتى يكون الدليل المبيح؛ كالزواج مثلاً.



وأصل الاستصحاب مبنيٌّ على غلبة الطن؛ ولذلك فهو أصْل متأخر بالنسبة للفتوى والأخْذ به.



11- شرع مَن قبلنا:

هل شرع من قبلنا هو شَرْعٌ لنا أو لا؟

إن الله - سبحانه - قد أكمل لنا شريعتنا الغرَّاء، وارتضاها لنا دينًا نتعبده به، وفضَّلنا على سائر الأمم، ورفع قدر شرعنا على جميع الملل والنِّحل، كما قال - جلَّ شأنُه -: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، كما أنه - سبحانه - قد جعل الانْقياد لتلك الشريعة مناط الفوز في الآخرة؛ فقال: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، وإن من حكمة العليم الخبير أنْ قصَّ علينا في كتابه الكريم أحوال الأمم السالِفة من المؤمنين والكافرين؛ لنعتبر ونتعظ، ونقتدي بمن أُمرنا أن نقتدي بهم، ونبتعد عمَّن نُهينا عن الاقتداء بهم؛ سواء كانوا أهل الكتاب أم غيرهم، وهذا منه - سبحانه - تكْريم وفضل، فيستحق منَّا العبودية له، والشكر دومًا.



وهذه المسألة قد خاض العلماء غمارها، وبيَّن المحقِّقون منهم الحكم في ذلك، راجين رضا الله - عزَّ وجل - مدافعين عن الملة الحنيفية والشريعة المحمدية، ونظرًا لوُرُود كثير من الأدلَّة والبراهين المتعلِّقة بهذه المسألة، انْقَسَم هؤلاءِ العلماء قسمَيْن:

قِسْمٌ تَمَسَّك بظواهر بعض الأدلة وبعمومات ووقائع، ونفى كون شرع من قبلنا شرعًا لنا، وهؤلاء المعتزلة[71]، وبعض الشافعية.

قِسم جمع بين الأدلة الشرعية المتعلقة بالأمم السالفة فعلاً أو تركًا، قبولاً أو ردًّا، وأثْبَت بشروط أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهذا هو القول الراجح في المسألة.



حكم العمل بالحكم أو الشرع المنسوخ:

الأحكام المنوط التكليف بها إنما هي ثابتة؛ حيث إنَّ الشريعة التي تعبَّد الله عبادَه بها إنما هي التي الحكم فيها باقٍ ثابت، وليس لأحد أن يعبد الله - سبحانه - بحُكم أو بشرع منسوخ؛ إذ الحكم والشرع إنما جاء لفترة محدودة، تبعًا لما اقتضتْه حكمة الله - عزَّ وجل - ثم ينسخ الله ما شاء؛ إذ هو وحده صاحب الأمْر والنَّهي، فنحن نتعَبَّد الله بالوحي المتلو، أو غير المتلو، سواء كان ناسخًا أو منسوخًا، فإنَّ تحرير الحد فيه أن يقال: النسْخ هو بيان انتِهاء الحكم الشرعي المطلق[72] الذي في تقدير أوهامنا استمراره لولاه بطريق التراخي[73]"، وسواء كان نسْخًا للدليل الذي ثبت به الحكم الأول، أو نسخًا للشرط الذي تعلق به الحكم الأول، أو نسخًا لنفس الحكم الأول إما بعضه أو كله[74].



قال الإمام ابن تيميَّة[75]:

"وأما من اتبع دينًا مبدلاً ما شرعه الله، أو دينًا منسوخًا، فهذا قد خرج عن دين الإسلام؛ كاليهود الذين بدلوا التوراة"؛ انتهى.



كما قرَّر هذا الإمام ابن تيميَّة بقوله: "ولهذا كان مذهبُ جماهير السلف والأئمة: أن شرع مَنْ قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعنا بخلافه، ومَنْ حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم بما أنزل الله، كما أن الله أمر أمة محمد أن يحكموا بما أنزل الله في القرآن، وفيه الناسخ والمنسوخ، فهكذا القول في جنس الكتب المنزلة: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].



فقد أمر نبيَّه محمدًا أن يحكم بما أنزل الله إليه، وحذره اتِّباع أهوائهم، وبيَّن أن المخالف لحكمه هو حكم الجاهلية؛ حيث قال - تعالى -: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50].



وأخبره - تعالى - أنه جعل لكلٍّ من أهل التوراة والإنجيل والقرآن شِرعةً ومنهاجًا، وأمرُه - تعالى - بالحكم بما أنزل الله أمرٌ عام لأهل التوراة والإنجيل والقرآن، ليس لأحد في وقت من الأوقات أن يحكم بغير ما أنزل الله، والذي أنزله الله هو دين واحد، اتَّفقت عليه الكُتُب والرسل، وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة، وإن تنوعوا في الشريعة والمنهاج بين ناسخ ومنسوخ، فهو شبيهٌ بتنوُّع الكتاب الواحد، فإنَّ المسلمين كانوا أولاً مأمورين بالصلاة لبيت المقدس، ثم أُمروا أن يصلُّوا إلى المسجد الحرام، وفي كلا الأمرين إنما اتبعوا ما أنزل الله - عز وجل -"[76]؛ انتهى.



فلذلك لا يجوز العمل بالحكم المنسوخ أو بالشريعة المنْسوخة؛ لأن الحكم بذلك ليس حكمًا بما أنزل الله - تعالى - حقيقة.



استدلال العلماء بـ(شَرْع مَنْ قبلنا):

حيث سار جُمهور العلماء ومَشَوا على الاستدلال بـ"شرع من قبلنا"، وقد ألمح إلى هذا المعنى وأكده الإمام ابن تيميَّة بقوله: "شرع مَنْ قبلنا: هل هو شرع لنا أو لا؟



والنزاع في ذلك مشهور؛ لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقلٍ ثابت عن نبينا، أو بما تواتر عنهم، لا بما يروى على هذا الوجه - أي: يقولونه هم - فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحدٌ من المسلمين"[77].



وكون الجمهور أجازوا الاستدلال بـ"شرْع من قبلنا"، إنما يكون ذلك بمُراعاة أمرَيْن، أشار إليهما الإمام ابن تيميَّة بقوله: "إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرعٌ لهم بنقلٍ موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة، فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلهم؛ بل الله - سبحانه - يُعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما أخبره بكذبهم غير مرة.



الثاني: ألا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص إمَّا بالموافقة أو بالمخالفة، استُغني عن ذلك فيما ينهى عنه من موافقتهم، ولم يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - بخلافه.



وإنما تجيء الموافقة (لأهل الكتاب) في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب والشعار الدائم"[78].



ضوابط شرعية للعمل بـ"شَرْع مَنْ قبلنا":

حيث بيَّن العلماء أن الأمر لا يؤخذ مباشرة دون ضوابط محدَّدة، فأشهر الضوابط ما يلي:

1- أن يكون ثابتًا في الكتاب العزيز أو في صحيح السنة.

2- ألا يرد في شرْعنا ما يخالفه.

3- ألا يكون الأمرُ مَحْكيًّا عنهم، أو مِنْ روايتهم دون التثبُّت.

4- ألا يؤخذ مِنْ كُتُبهم مباشرة.

5- ألا يكون في شرْعنا حكم خاص يُخالفه، سواء كان بالموافقة أم بالمخالفة.

6- أن يكون ذلك عن طريق الموافقة لا المتابعة.



وبذلك يتضح أن القول بجواز الاستدلال بشرع من قبلنا لم يكن على إطلاقه؛ جمعًا بين الأدلة؛ ذلك أن شريعتنا لا تجمع بين المفترقين، ولا تفرق بين المجتمعين، وبهذا تعتضد الأدلة وتتشابَك.


الباب الثالث
المحكوم فيه

أي: عليه، وهو موضع الحكم الشرعي، أو متعلق الحكم الشرعي، وهو ذات الفعل الذي هو موضوع الطلب، أو موضوع الكف، أو موضوع الإباحة، "وقد علمنا أن الحكم الشرعي ينقسِم إلى قسمَيْن: حكم وضعي، وحكم تكليفي، وأنَّ الحكم الوضعي بعضه مِنْ أفعال العباد، وبعضه ليس من أفعالهم؛ فدلوك الشمس سببٌ ليس من أفعال العباد، والهلال سبب ليس من عمل العباد، وما يكون من الأعمال ليس من عمل العباد لا يتكلم فيه الأصوليون في هذا الباب، من حيث إنه موضع للحكم الوضعي؛ لأن (المحكوم فيه) الذي يتكلم فيه علماء الأصول هو ما يكون من أفعال المكلفين؛ سواء أكانتْ تكليفًا مجردًا، أم كانتْ تكليفًا يتَّصِل بحكم وضْعي؛ كالوضوء من حيث إنه شرط للصلاة، وكالبيع من حيث إنه سبب للملكية، وكالقتْل مِنْ حيثُ إنه مانع من الميراث، وكالزوجية من حيث إنها سبب للميراث، ولكن القرابة من حيث سببيتها ليست من فعل المكلف الذي يرث، أو الذي يُورث عنه؛ بل يدخل في تكْوينها عدة أمور في تكوين الأسرة، وبذلك ينحصر الكلام في المحكوم فيه، من حيث شروطُ التكليف وما وضع الله - تعالى - لعباده.



وعلى هذا نُقَرِّر أن المحكوم فيه هنا هو ذات الفعل، الذي هو موضوع الطلب، أو موضوع الكف، أو موضوع الإباحة.



فهو إذًا أفعال المكلّفين التي تعلق بها الحكمُ التكليفي، وهي هنا ينظر فيها من حيث إنها مقدورة تدخل في طاقته أو لا تدخل، من حيث إنها حق لله تعالى أو حق للعباد"[79].



أمَّا ما يتعلق بحق الله - تعالى - الخالص، فكالعبادات كلها، وأما حق العباد الخالص، فهي كالدُّيُون، والأملاك، والوراثة، واللهُ - سبحانه وتعالى - لا يَتَقَبَّل توبة من أكل حقًّا من حقوق العباد، إلا إذا أدَّاهُ، أو أسقطه صاحبه أو عفا عنه، وأحيانًا يجتمع الحقان، ويُغَلَّبُ حقُّ الله - تعالى - كحدِّ القذْف[80]، ويُغَلَّبُ حقُّ العباد كالقِصاص.


الباب الرابع
المحكوم عليه

وهو المكلف؛ لأنه هو الذي يُحكم على أفعاله بالقبول أو الرد، وكونها داخلةً في دائرة المأمور به أو المنهي عنه، أو غير داخلة.



وأساس التكْليف هو العقْل والفهم.



ولا بُدَّ أن تكون عنده أهليَّة تصلح لإلزامه والتزامه بحقوق له أو عليه، وهذه الأهليَّة هي التي يناط بها التكليف، ما لم يعرض للشخص من بعد كمال أهليته ما ينقصها أو يفقدها، ويُسمَّى هذا عارضًا مِنْ عوارِض الأهلية.



وعوارض الأهلية: هي أحوال تعْتري الشخص، فتنقص عقله أو تفقده بعد كماله، وهي قسمان:

الأول: عوارض سماويَّة، ليست من أعمال الإنسان، وهي: الجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، و"المرض، والحيض، والنفاس، والموت"[81].

الثاني: عوارض بفعل الإنسان أو يكسبها الإنسان، وهي نوعان:

النوع الأول: من ذات المكلف، وهي السفه - مع كونه عاقلاً لكنه ليس برشيد - والجهل والسُّكْر والخطأ.

النوع الثاني: من غيره، وهي الإكراه.



ومما له تعلق بما سبق أمران، هما:

أولاً: مقاصد الأحكام: حيث اتَّجه الإسلام في أحكامه إلى نواحٍ ثلاث:

الناحية الأولى: تهذيب الفرد؛ ليستطيع أن يكون مصدر خير لجماعته، ولا يكون منه شر لأحد من الناس.

الناحية الثانية: إقامة العدل في الجماعة الإسلامية فيما بينها، وكذلك العدل مع غيرها.

الناحية الثالثة: وهي غاية محققة ثابتة في كل الأحكام الإسلامية، وهي المصلحة، فما من أمرٍ شرعه الإسلام بالكتاب والسنة إلا كانت فيه مصلحة حقيقية، وإن خفيتْ تلك المصلحةُ على بعض الذين غشاهم الهوى.



والمصلحة التي يريدها الإسلام ليست الهوى؛ وإنما هي المصلحة الحقيقية التي تعم ولا تخص، وهي ما تعرف (بالمصلحة المعتَبَرة) التي تحققها الأحكام الإسلامية، وتثبتها النصوص الدِّينية، وهي المصلحة الحقيقية، وليست المتوهمة، ولا التي بنيت على هوى.



تقدمت الإشارة[82] أن مقاصد الشارع الحكيم في وضع الشريعة لا تعدو ثلاثة أقسام، هي[83]:

فالضرورية: وهي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فُقدت لَم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة؛ بل تفوت الحياة بفوتها، ويفوت في الآخرة الفوزُ برضا الله سبحانه، فأصولُ العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، والعادات راجعة إلى حفْظ النفس والعقل من جانب الوجود، والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضًا لكن بواسطة العادات، ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.



وأمَّا الحاجيات، فهي التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع التضييق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرجُ والمشقة، لكنه لا يبلغ الفساد العام، وهي جارية في العبادات والعادات، والمعاملات والجنايات؛ ففي العبادات كالرُّخَص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وفي العادات كإباحة الصيد والتمتُّع بالطيبات، وفي المعاملات كالقِراض والمساقاة والسَّلَم، وفي الجنايات كضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصُّناع، وما أشبه ذلك.



وأمَّا الكماليَّات، فمعناها محاسن العادات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، وهي - أي: الكماليات - تجري فيما جرى فيه الأُوليان، وكل مرتبة من هذه المراتب مكملة لما هو أقوى منها، فالحاجيات مكملة للضروريات، والكماليات مكملة للحاجيات"؛ انتهى.



ثانيًا: الاجتهاد: ومعناه بذْل غاية الجهد في الوصول إلى أمر من الأمور، أو فعل من الأفعال.



وفي اصطلاح علماء الأصول: بذْل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام العمليَّة مِنْ أدلتِها التفصيليَّة.



والاجتهاد لا يخلو عصرٌ منه، فلا بُدَّ مِنْ مجتهد يبلغ هذه الرتبة، كما قرَّره الحنابلة، وللمجتهد شروط:

1- العلم بالعربية.

2- العلم بالقرآن الكريم ناسخه ومنسوخه...

3- العلم بالسنة المطهَّرة: صحة وضعفًا، ناسخًا ومنسوخًا...

4- معرفة مواضع الإجماع ومواضع الخلاف.

5- معرفة القياس.

6- معرفة مقاصد الأحكام.

7- صحة الفهم وحُسن التقدير.

8- صحة النية وسلامة الاعتقاد.



والمجتهدون مراتب، وهي:

الأولى - وهي أعلى المراتب -: المجتهد المستقل؛ كفُقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاء التابعين؛ كسعيد بن المُسيّب (ت 93 هـ)، وإبراهيم النَّخَعِي (ت 95 هـ)، والأَوْزاعي (ت 157هـ)، واللَّيْث بن سعد (ت 175هـ)، وسفيان الثَّوْرِي (ت 161 هـ)، وأبي ثَوْر (ت 240 هـ)، والأئمة الأربعة: أبي حنيفة (ت 150هـ)، ومالك والشافعي وأحمد (ت 241 هـ).



الثانية: المجتهد المنتسب، وهم الذين اختاروا أقوال الإمام في الأصل وخالفوه في الفرع، وإن انتهَوْا إلى نتائج مشابهة في الجملة لما وصل إليه الإمام، ومنهم أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف (182 هـ)، ومحمد بن الحسن (ت 189هـ)، وزُفَر (158هـ)، ومن الشافعية: المُزَنِيّ (ت 264 هـ)، ومن المالكية: ابن القاسم (ت 355هـ)، وابن وَهْب (ت 242هـ)، وابن عبدالحَكَم (214 هـ).



الثالثة: المجتهدون في المذهب، وهم الذين يتبعون الإمام في الأصول والفروع التي انتهى إليها؛ وإنما عملهم في استنباط المسائل التي لا رواية فيها عن الإمام.



الرابعة: المجتهدون المرجحون، حيث إنهم يرجحون بين الآراء المرويَّة بوسائل الترجيح التي ضبطتها لهم الطبقة السابقة.



هذا ما يتعلق بمراتب المجتهدين، والاجتهاد أعمُّ من الإفتاء؛ حيث إنَّ الإفتاء أخص من الاجتهاد، فإنَّ الاجتهاد: استنباط الأحكام؛ سواء أكان سؤال في موضوعها أم لم يكن، كما كان يفعل الإمام أبو حنيفة.



أما الإفتاء، فإنه لا يكون إلا إذا كانتْ واقعة وقعتْ، ويتعرف الفقيه حكمها.



والفتوى السليمة التي تكون من مجتهدٍ تقتضي - مع شروط الاجتهاد التي سبقت - شروطًا أخرى، وهي:

1- معرفة واقعة الاستفتاء.

2- دراسة نفسية المستفتي والجماعة التي يعيش فيها؛ ليعرف مدى أثر الفتوى سلبًا وإيجابًا؛ حتى لا يُتخذ دِينُ الله - تعالى - هُزوًا ولعبًا.



ولقد قال الإمام أحمد في شروط المفتي: "لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفُتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.

والثانية: أن يكون على علم وحلم، ووقار وسكينة.

والثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.

والرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس.

والخامسة: معرفة الناس[84]"؛ انتهى.



وليعلم المفتي أنه هادٍ ومرشد، وأن فتواه مدار لإصلاح الناس، وقد قال الإمام الشاطبي (790 هـ):

"المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناسَ على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرق الانحلال[85]"؛ انتهى.



وليعلم المفتي أن فتواه قوليةً كانت أم مكتوبة، إنما بمثابة التوقيع عن حكم الله تعالى، وقد جعل الإمام ابن القيم هذا المعنى الدقيق والخطير عنوانًا لأعظم كُتبه، وهو "إعلام - بالكسر والفتح - الموقعين عن رب العالمين".



وينبغي على المفتي عند تمييز الأدلة والاختيار من المذاهب المختلفة، أمورٌ - كما قال العلامة الشيخ محمد أبو زَهْرَة[86] -:

1- ألا يختار قولاً متهافتًا في دليله؛ بحيث لو اطلع صاحبه على أدلة غيره لعدل عنه.

2- أن يكون في فتواه صلاحُ الناس، والسير بهم في طريق وسط؛ لا يتجه إلى طرف الشدة، ولا يهبط إلى درجة الانحلال.

3- أن يكون حسن القصد في اختيار ما يختار، فلا يختار لهوى الناس ويتجاهل غضب الله - تعالى - ورضاه... وأولئك قوم بور"؛ انتهى.



ثم قال العلاَّمة الشيخ محمد أبو زَهْرَة: "ويجب على مَن يتخيَّر من المذاهب أن يلاحظ الأمور الثلاثة الآتية:

أولها: أن يتبع القول لدليله، فلا يختار من المذاهب أضعفها دليلاً؛ بل يختار أقواها دليلاً، ولا يتبع شواذ الفُتيا، وأن يكون عالمًا بمناهج المذهب الذي يختار منه، وإن ذلك حتمًا يقتضي أن يكون مجتهدًا لا يتخلف اجتهاده به إلى مرتبة التقليد، ومِنْ هذا النوع ابن تيميَّة في اختياراته.

ثانيهما: أن يجتهد ما أمكنه الاجتهاد في ألا يترك المجتمع عليه إلى المختلف فيه.

ثالثهما: ألا يتبع أهواء الناس؛ بل يتبع المصلحة والدليل، والمصلحةُ المعتبرة هي مصلحة الكافة، وما تؤدي إليه الفُتيا من تحليل وتحريم.



والحق أن المفتي الحق قائم بعملٍ هو عمل الأنبياء - عليهم السلام - فالأنبياء - عليهم السلام - كانوا يقومون ببيان ما يحلُّ للناس وما يَحرُم، وهو ينقل إليهم شرْع النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو جالس في مجلسه، وهو وارثه في بيان شرْعه للعامة، فلا يجعل لِهواه موْضعًا ويتوقف حيث التقدُّم، وينطق بالحق إن بدت معالمه، لا يخشى في الله لوْمة لائم.



اللهم جنبنا الزلل، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن الله سميع الدعاء"[87]؛ انتهى.



والحمد لله رب العالمين.



وصلى الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه وتابعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الذاكرون.


توقيع :عيسي عبد القادر
gazali

20-01-2012 12:46 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
الرائد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 242
المشاركات : 483
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 140
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif مسالك العلة:
شكرا لك وبارك الله فيك ... تحياتي

20-01-2012 12:46 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [2]
الرائد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 20-01-2012
رقم العضوية : 242
المشاركات : 483
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 140
الدولة : الجزائر
 offline 
look/images/icons/i1.gif مسالك العلة:
شكرا لك وبارك الله فيك ... تحياتي




الكلمات الدلالية
مسالك ، العلة: ،


 







الساعة الآن 09:43 صباحا